المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الغمري Headshot

الأساطير المؤسِّسة لدولة السيسي الإرهابية

تم النشر: تم التحديث:

بدايةً يجب أن نعلم شأن القوى التي تتحكم في نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تعمَدت عدم وضع تعريف واضح ومحدد لما سموه "الإرهاب"؛ حتى تظل القوس مفتوحة باستمرار، يدرَج بداخلها كلُ من تسوِل له نفسه معارضة المظالم والمحن الإنسانية العميقة التي أحدثوها في هذا العالم.

لذا، دعونا نضع نحن تعريفنا لـ"الإرهاب"، وليكن: السعي لفرض إرادة سياسية بالقوة، وبهذا نكتشف أن نظام السيسي، المعتمِد على قوة دباباته وأجهزته الأمنية، هو الإرهاب الحقيقي في المنطقة؛ لقيامه بفرض وجوده على رأس السلطة وفرض رؤيته لمصر والمنطقة -بل تعدّاها للأمة الإسلامية كلها وللخطاب الديني- بقوة السلاح.

ولكن هذا لم يمنع السيسي من تأسيس مجموعة من الأساطير السياسية، يرتكز عليها نظامه، ولا يسأم إعلامه من ترديدها واللوذ بها عند الأزمات، وهي نوع آخر من الإرهاب، ولكن على المستويَين الفكري والإعلامي. والسطور التالية ستحاول استعراض أبرز هذه الأساطير والرد عليها.

الأسطورة الأولى: التفويض

في الرابع والعشرين من يوليو/تموز عام 2013، خرج السيسي على المصريين ببزة عسكرية أنيقة ونظارة شمسية سوداء رائعة، وطلب منهم النزول يوم الجمعة التالية لإعطائه تفويضاً لمواجهة إرهاب محتمل.

لا أريد الغوص مجدداً في تفاصيل هذا الافتئات حتى على إعلانه الدستوري الذي قرأه على الشعب يوم 3 يوليو/تموز، ووضع بقوته شخصاً لم يسمع عنه سوى المئات -ربما ظاهرياً- على رأس السلطة. ولكن الأسطورة تقول إن 30 مليون مصري احتشدوا في الميادين لمنح هذا التفويض!

وحقيقة الأمر أن هذا لم يحدث مطلقاً، ولقد كنت أحد شهود العيان، وتعمَّدت التجوال في بعض ميادين القاهرة نهاراً في أثناء الصيام وليلاً بعد الإفطار، وشاهدت ندرة أعداد المفوضين، الأمر الذي جعل الفضائيات المصرية تعيد بث مشاهد قديمة من تظاهرة 30 يونيو/حزيران التي ابتدع فيها المخرج خالد يوسف فكرة الاستعانة بأشعة الليزر الخضراء لجذب الانتباه وإضافة تأثيرات وبهرجة للصورة، فضلاً عن إظهار الأعداد المحتشدة بصورة أضخم، كما استخدم تقنيات إخراجية أخرى عديدة لتحقيق ذلك.

لكن الحقيقة التي شاهدتها بعينيّ أن عدد من منحوا التفويض للسيسي ميدانياً بضع مئات، أما داخل القلوب فربما فوَّضه الكثيرون.

الأسطورة الثانية: الحرب على الإرهاب

عندما استخدم السيسي عبارة "الإرهاب المحتمل"، فكأنه اعترف بعدم وجود إرهاب واقع على الأرض، وللسيسي نظرية في خلق أعداء للجيش، شرحها هو بنفسه في أحد تسريباته المصورة؛ حين تحدث عن حصار رفح وتدمير المنازل وخلق أعداء للجيش.

ولكن، كان من الضروري أن يظهر الإرهاب المحتمل؛ حتى يبرر السيسي، لا أقول فقط تفويضه؛ ولكن لشرعنة وجوده عالمياً وداخلياً، وتصوير نفسه في صورة محارِبِ قوى الظلام والشر نيابة عن العالم، بدلاً من صورة المنقلب على التجربة الديمقراطية، فجاء تفجير مديرية أمن المنصورة بقنبلة فراغية لا تُطلَق إلا من الطائرات، روى شهود العيان أن دوِّيها سُمع على مسافة 20 كليومتراً، ليُعلن بعدها بصورة درامية أن جماعة الإخوان، التي كانت تسيطر على برلمان منتخب ديمقراطياً ورئاسة أيضاً منتخبة، جماعة إرهابية، بالتنسيق المتزامن مع دول خليجية رئيسية سارت على النحو ذاته.

ولست أدرى، كيف حصلت جماعة الإخوان على قنبلة كهذه؟! وهل حصلت على واحدة فقط من النوع نفسه واكتفت؟!

بالطبع، لا نملك إلا السخرية من هذا كله، بعدما تأكد معظم المصريين أن العنف الذي تشهده مصر يصنعه السيسي عبر مخابراته الحربية؛ لتحقيق مخططات دولية، عرفنا منه شخصياً أنهم سموها "صفقة القرن"، وهو الأمر الذي رفضه مبارك، وربما كان رفضه هذا سبب سعي بعض الدوائر الغربية للإطاحة به، وليس صدفةً أن تعلن صحيفة شهيرة مثل "الغارديان" عن 80 مليار دولار، يمتلكها مبارك فقط، في أثناء ثورة يناير/كانون الثاني؛ لتسكب النار على زيت غضب المحتجين، ولتمنّي المصري البسيط بإمكانية استعادة هذه الأموال المنهوبة لتحسين حياته.

الأسطورة الثالثة: قدّ الدنيا والمشاريع العملاقة

كان السيسي يدرك جيداً في سنوات حكمة الأولى، هشاشة وضعه وضعف شرعيته، وأن ثيمة الحرب على الإرهاب وعشرات الجثث لضباط وجنود الجيش المصري العائدة من سيناء، ربما لن تمنحه الشرعية التي يبتغيها، فلجأ إلى ما يسمى شرعية الإنجاز، فورَّط المصريين في مشروع لم تشهد البشرية أفشل منه، وجمعَ مدخراتِ مَن صدَّقه من الناس؛ لتدشين مشروع قناة السويس الجديدة، ولا هي بقناة ولا علاقة لها بالسويس، وفقط مجرد تفريعة صنع مبارك مثلها في سنوات حكمه لكن دون دعاية مماثلة، تفريعة لا يحتاجها العالم بسبب تراجع التجارة العالمية وظهور بدائل أقل تكلفة لقناة السويس.

ورغم ذلك، تعمد السيسي أن ينجز هذا المشروع في عام واحد، بعدما منَّى المصريين بعائد سنوي 100 مليار دولار. ولتحقيق ذلك، استأجر معظم الكراكات العملاقة من دول العالم بأسعار مبالَغ فيها تناسب طموحه الكاذب وحاجته المُلحّة لهذا الفيلم الدعائي، الذي شاهدنا فيه باخرة تعبر خلفه في أثناء كلمته بافتتاح هذه التفريعة.

ومرت الشهور وأدرك الناس أنه لا عائد من وراء هذه التفريعة إلا ضياع 8 مليارات دولار، والاستدانة من صندوق النقد، وتطبيق إصلاح اقتصادي خاضع لشروط الصندوق يسحق غالبية المواطنين، فيتعاظم داخل نفوسهم من جديدٍ حلم الحصول على رغيف العيش بدلاً من حلم المشاركة السياسية وطوابير الانتخابات.

واستمر السيسي في تسويق الأحلام المليونية الزائفة؛ مثل المليون شقة سكنية والمليون ونصف المليون فدان. والواقع أن وعده الحقيقي للشباب بعربات الخضار لم يلتزم به، وشاهدْنا الجيش وهو يوزع السلع التموينية على المواطنين؛ لاحتواء ضجيج الفقر المتصاعد.

الأسطورة الرابعة: منيّم أميركا من المغرب!

كانت لديَّ صلات بقيادات أمنية شأن معظم العاملين في الحقل الإعلامي والفني، وأذكر أنني حين هاتفت أحدهم محذِّراً من خطورة ما أقرأه وأستنبطه على الساحة في بدايات أغسطس/آب 2013، وكان يعلم أنني لست ممن -بحمد الله- يمكن خداعهم سياسياً بسهولة، فقال لي: "سنصوِّر السيسي إعلامياً أنه عبد الناصر الجديد، وسنفضُّ اعتصام رابعة حتى ولو ضحَّينا بوزير الداخلية محمد إبراهيم، وستندمون على ما كنتم فيه أيام مبارك".

صدق محدِّثي، وبالطبع راقبت الإعلام وهو يصوِّر السيسي بالبطل الذي لا يرضخ للإملاءات الأميركية، كما كان ظاهرياً يبدو عبد الناصر، ووصلت شهوة خداع الناس إلى أن صوَّر أحد الإعلاميين عملية وهمية أُسر فيها قائد الأسطول السادس الأميركي من داخل إحدى البوارج في المتوسط.

وفي النهاية، شاهد المواطن المصري صورة لترامب جالساً فوق مكتبه في البيت الأبيض وخلفه يقف مجموعة من أتباعه وموظفيه ومن بينهم عبد الفتاح السيسي! وللصورة دلالة رمزية وسياسية لا يغفلها عاقل؛ بل لعلها الآن أكثر وضوحاً بالعملية العسكرية غير المبررة على شمال ووسط سيناء.

الأسطورة الأخيرة : أسقف المواطَنة

يعلم السيسي جيداً أن حشد 30 يونيو/حزيران كان في جزء كبير منه طائفياً، ويعلم أن الكنيسة المصرية باسم يسوع تحشد من أجله في الاستحقاقات الانتخابية، ولعل تصريح البابا تواضروس الشهيرَ: "نعم تزيد النِّعم"، لدليل على ذلك؛ لذا تعمَّد السيسي مشاركة الكنيسة الأرثوذكسية احتفالاتها الكبرى بوجه بشوش تملؤه السعادة، وهذا عمل سياسي لا يستطيع عاقل أن يُنكره عليه، أو يلومه فيه، فالسيسي -كأي سياسي- يحق له التحرك داخل الشريحة الاكثر دفاعاً عنه ودعماً له، ولكن هل انتصر السيسي حقاً للأقباط؟

أمنياً، شهدت الكنائس الكبرى تفجيرات، يصحُّ أن نظام السيسي هو من افتعلها؛ لتذكير العالم بأنه يقود حرباً ضد الإرهاب، ويحمى الأقلية القبطية، ويتحكم في الهوية المصرية، كما ازدادت أحوال فقراء الأقباط بؤساً، لا سيما في الصعيد.

لم يقم السيسي بترقية جنرال من بين الأقباط وضمّه إلى المجلس العسكري رغم قيامه بتغيير 26 جنرالاً داخله خلال السنوات الماضية، كما لم يختلف قانون بناء وترميم الكنائس في جوهره عن القوانين السابقة، لنجد أن الكتلة القبطية لم تحصل من السيسي سوى على ابتسامته الجذابة في احتفالات أعياد الميلاد، ربما هذه الابتسامة والمشاركة تكفيهم نفسياً.

وأخيراً، فإن سقوط الأساطير السياسية لا يكون إلا مقدِّمةً لسقوط الديكتاتورية، وفي ألمانيا النازية المثال غير البعيد!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.