المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الغمري Headshot

السيسي راح في العباسية

تم النشر: تم التحديث:

ما زلت أذكر تلك اللحظة التي بدا فيها السيسي متضخم الذات منتشياً بنجاحاته المتتالية في رحلة الانقضاض على ثورة يناير، التي قال فيها:-
- ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده، أبقى عارف الحقيقة وأشوفها، ودي نعمة من ربنا، اسمعوها مني، وزعماء كل الدنيا، خبراء المخابرات والسياسيين والإعلاميين، وكبار الفلاسفة - لو حبيتوا- قالوا للناس اسمعوا كلام الراجل ده.

كان ذلك في يونيو/حزيران 2015 أثناء لقائه بالجالية المصرية في ألمانيا، ثم تطورت حالته نتيجة عدم اهتمام المؤسسة التي ينتمي إليها بأمر عرضه على متخصص، فتوحد واهماً مع القدرة الإلهية حين قال في ديسمبر/كانون الأول من هذا العام:-
- اللي يقدر على ربنا يقدر علينا.

لا أريد التعليق على مقولة السيسي الأخيرة دينياً، وقد وصفها أحد الأئمة بالكفر والجهل دون أن يسهب، ولعل الشيخ بوصف جهل السيسي يقصد ما ثبت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "وما أدري والله وأنا رسول الله ما يُفعل بي" ، ولكن السيسي يجزم أن أحداً لا يقدر عليه، ويبدو مطمئناً لغده!

ولكن بما أن المؤسسة العسكرية أبت أن تهتم بحالة تضخم الذات عند كبيرهم الذي علمهم -السيسي- فلعلي بجهدي المتواضع أستطيع وصف الحالة للسيسي، حالة مصر، ودعوني أختار عنواناً للسطور التالية: مصر في جنازة كبيرة.

ففي الأسبوع الأخير قامت الداخلية بتصفية ثلاثة من الشباب المصري جسدياً بعد إخفائهم قسرياً لمدة ثلاثة أشهر، ثم قامت بتصفية شاب رابع بحجة تبادل إطلاق النار، الأمر الذي دفع جورج إسحاق، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى التصريح، مؤكداً رفضه التام لما تقوم به قوات الأمن من تصفية جسدية لمن تشتبه فيهم، خاصة من الشباب الذين يتم إخفاؤهم قسرياً؛ لأنه شيء خطير ومرفوض على كافة المستويات الدينية والقانونية والحقوقية، وفق تعبيره؛ لأن من تتم تصفيته لم تتم إدانته، ويظل بريئاً حتى تثبت إدانته، وأنه إذا كان هناك أي اشتباه فإنه يتم القبض عليه وتقديمه للمحاكمة، وحتى لو حاول مقاومة قوات الأمن، فإنه يُضرب في قدمه مثلاً لشل حركته، أو يده -لو معه ما يحاول الاعتداء به- ولكن أن يتم القبض عليه وإخفاؤه قسرياً ثم تتم تصفيته بعد ذلك؛ فهذا لا يمكن قبوله.

واستطرد إسحاق محذراً من توابع ما يجري قائلاً:-
ربما يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، خاصة إذا أدرك المطلوب أمنياً -سيما إذا كان من الشباب- أنه مستهدف، وأنه مقتول في كل الحالات، وأنه لا تتوافر له محاكمة عادلة؛ فسيسلك -لا محالة- طريق العنف دفاعاً عن نفسه.

وأشار إسحاق أيضاً إلى ما يتعرض له الشباب داخل السجون والمعتقلات من ممارسات غير إنسانية، وما يتعرضون له من عنف، وإمكانية أن يؤدي هذا إلى خروج هؤلاء الشباب من السجون وفي أذهانهم الثأر والانتقام، محذراً من استمرار هذه الممارسات داخل السجون وخارجها، وأنها تأخذ البلاد إلى مُنحنى خطير من العنف والعنف المضاد، وتدخل البلاد في دوامة لا تنتهي من الفوضى.

وأخيراً طالب إسحاق كافة الجهات بالتدخل ووقف ممارسات الداخلية وما تقوم به من تصفية جسدية خارج القانون، وما يجري داخل السجون.

ثم فوجئنا بعد أيام قليلة بتفجير كمين أمني بالهرم بجوار مسجد السلام وراح ضحيته 6 من رجال الشرطة بينهم ضابطان وأمين شرطة.

من الطبيعي أن تصبح البلاد في حالة استنفار أمني بدرجته القصوى بعد تفجير كمين الهرم في طول البلاد وعرضها، ولكننا فوجئنا بتفجير ثانٍ في مساء ذلك اليوم قيل إنه عن طريق عبوة ناسفة وضعت أسفل سيارة شرطة بكفر الشيخ، هذه الحادثة شهدت تضارباً فجاً بين تصريحات وزارة الداخلية ووزارة الصحة، ذكرني بالحكمة التي تقول: يكاد المريب يقول خذوني!!

وبعد يومين، ورغم أنه كان من المفترض أن يكون الاستنفار الأمني عملياً قد بلغ مداه، حدث تفجير في الكنيسة البطرسية بالعباسية، وهي من الأماكن التي تعد من الفئة "أ" تأمينياً، شأنها شأن الرئاسة ووزارة الدفاع والسفارة الأميركية.

السيسي انتظر لمدة 24 ساعة استمع فيها إلى التحليلات التي أكدت صعوبة دخول امرأة تحمل عبوة ناسفة إلى الكاتدرائية، كما أكد شهود العيان انصراف أفراد الحراسة على غير المعتاد في أيام الآحاد بحجة تناول الإفطار، مما ذكرنا بتصريح أحد الجنود عقب انفجار مديرية أمن الدقهلية الذي أكد فيه تلقيهم أوامر بالانصراف على غير المعتاد!! فخرج علينا السيسي بخبر أن الحادث تم بحزام ناسف ارتداه شاب مسلم يُدعى محمود شفيق محمد مصطفى، يفترض أنه دخل وجلس وسط النساء قبل أن يرتكب جريمته التي حولت جثته لأشلاء، ولكن ربما أبقى الانفجار على بطاقته الشخصية فتمكن السيسي من معرفة اسمه، أو لعل اختبارات الحمض النووي باتت تجري بسرعات غير عادية بواسطة المؤسسة التي اخترعت من قبل جهاز الكفتة، هكذا تحدث السيسي لينهي الأمر ببساطة، فضلاً عن تأكيده أن الإرهابيين الأشرار مُحبطون؛ لأن المصريين هزموهم بصبرهم على غلاء الأسعار، فهل لو ثار المصريون بسبب غلاء الأسعار سترتفع الروح المعنوية لدى الإرهابيين فيوفقوا التفجيرات؛ ليعود الأمن والأمان؟ وبعد ذلك أكد السيسي أن ما حدث ليس خللاً أمنياً!! وربما فاته أن يلوم الإعلام باعتباره هو المتسبب في حوادث كهذه تدمي قلوبنا جميعاً! وأخيراً قام السيسي بالسير على درب إعلاميه المفضل الذي ضُرب أمام الكاتدرائية أحمد موسى بلوم القضاء بسبب بطء إجراءاته!!

ولكن المثير هو حالة النضج والوعي لدى الأقباط الذين تجمعوا بالعشرات أمام الكاتدرائية بعد الحادث، مطالبين بإسقاط النظام، وهتافهم ضد الداخلية، وهتافاتهم التي تؤكد إدراكهم بأنها ليست حادثة طائفية، ثم قيامهم بطرد الإعلاميين الذين أمرهم النظام بالتوجه إلى الكاتدرائية لتأجيج المظلومية لدى الأقباط، ومحاولة إلهائهم لاحتواء غضبهم، ولكنهم لا يعلمون أن أحداً ما عاد يصدقهم، وهو ما اضطر السيسي إلى أن يفعله بنفسه في اليوم التالي باللعب على وتر الطائفية وشحن عنصري الأمة بمحاولات التمييز والتفرقة، وربما لا يعلم الكثيرون أن الذي أنقذ أحمد موسى ولميس الحديدي وريهام سعيد من غضب المتظاهرين هم أفراد أمن اعتاد النظام زرعهم وسط التظاهرات الساخطة ضد جرائمهم وملامحهم وأجسادهم تفضحهم.

الأقباط أسقطوا النظام وفضحوه وطردوا إعلامييه من أمام الكاتدرائية، وقد تعلموا درس التجربة القاسية التي مروا بها من قبل عند تفجير كنيسة القديسين، والتي أدركوا بعد ثورة يناير أنها كانت من صنع النظام الذي كان يبحث عن مبرر لإطلاق آلته القمعية بوحشية حتى يتمكن من تمرير ملف التوريث في ظلها، وهم اليوم بحاجة أشد لإطلاقها بوحشية أكثر رغم كل الذي فعله في السنوات الثلاث الماضية لاحتواء غضب الشارع بسبب لهيب الأسعار.

رقاب الأقباط هي وسيلة السيسي لترسيخ مفهوم المحاكمات العسكرية التي يحتاجها نظامه حتى تتكرر مأساة إعدام شباب عرب شركس مرات ومرات، أو ربما يريد السيسي إطلاق شرارة البدء للسيناريو الأسوأ، وهو مخطط التقسيم.

دماء الأقباط التي أسالها السيسي في أحداث ماسبيرو بدم بارد وسط تحريض فج من إعلام النظام الرسمي هي وسيلتهم الدائمة لتنفيذ مخططاتهم الرخيصة عن طريق ما يسمى أمنياً بتوازن ضريبة الدم فيضحي بالعشرات من الأقباط وأفراد الشرطة في مقابل قتل الآلاف من الإسلاميين، ولكن الأقباط وعوا الدرس هذه المرة، وهتفوا ضد السيسي ونظامه، ورفضوا إلصاق التهمة بشاب مسلم عانى من هذا النظام القاتل مثل الذي عانوه ويعانونه.

إن طفرة الوعي لدى شباب الأقباط الذين شاركونا ثورة يناير ضد رغبة كنائسهم، في مشهد أفزع النظام الذي قرر أن يبدأ مسلسل تفريق ثوار يناير بهم، بإيلامهم عن طريق حرق كنائسهم، ومن ثم استدراجهم إلى مذبحة ماسبيرو لتكون الضربة القاصمة التي تبعدهم ثانية عن أي مشاركة سياسية بمعزل عن كنيستهم التي تمرر للنظام العسكري أسماء بعينها ترتضيها لتقلد بعض المناصب الوزارية ونيل بعض المقاعد البرلمانية؛ ليكونوا مجرد صور ممسوخة لأشبال النظام ذي الوجوه المدنية، طفرة الوعي هذه هي أكثر ما يفزع النظام بدليل اضطرار السيسي لتصريحاته هذه الساذجة في حضور تواضروس، تصريحات لا تليق برئيس مباحث، فضلاً عن محاولة اللعب مجدداً على وتر المشاعر لدى الأقباط.

وأخيراً لا أستطيع أن أخفي إعجابي بشجاعة الشباب القبطي الثائر الذين أسقطوا النظام ورموزه أمام الكاتدرائية وأحرجوه حتى اضطر أحمد موسى ولميس لنزع صفة المصرية عنهم في برامجهم، وكأن المصري هو فقط من يتحتم عليه الاستسلام لروايات النظام الساذجة وتبريراته السخيفة التي تضر الأجهزة الحساسة في الجسم البشري، أما ما فعله الشباب القبطي الثائر، فهو ما لم يعتد عليه هؤلاء القتلة المتاجرون دوماً بدمائهم.

ليت الشباب المصري كله يستلهم الروح الشجاعة التي عادت أمام الكاتدرائية وينتزع زمام المبادرة لتخليص مصيره ومصير بلاده من كوابيس السيسي المتتالية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.