المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الغمري Headshot

السيسي والدليل في فن صناعة البديل

تم النشر: تم التحديث:

أدرك جمال عبد الناصر ومجموعته التي أطلقت على نفسها لقب الضباط الأحرار أنهم بحاجة إلى وجه كاريزمي يستطيعون من خلاله إقناع الشعب بقدرة المؤسسة العسكرية على تقديم بديل مناسب يخلف الملك فاروق الذي يحمل هيبة الأسرة العلوية التي حكمت مصر منذ عام 1805، ووجدوا ضالتهم في اللواء محمد نجيب الذي ذاع صيته بعد تحديه لمرشح الملك في انتخابات نادي الضباط اللواء حسين سري.

ثم استطاع عبد الناصر عن طريق أدائه التمثيلي المبهر في حادث المنشية المدبر بعناية من مؤسسته الأمنية الوليدة أن يحصل على شعبية داخل القطاعات التي ألهبها حواره الذي قال فيه :

- "فليثبت كل منكم في مكانه.. هذا جمال عبد الناصر يتحدث إليكم" وكأنه إعلان برسيل ".. كلكم جمال عبد الناصر " في عصر قبل اختراع صفحات الفيس.

تنبه عبد الناصر لشعبية المشير عامر داخل المؤسسة العسكرية، وأيقن بخطورة وجوده كبديل مقنع لعرشه ولو حتى داخل المؤسسة العسكرية التي كانت قد تغولت بالفعل اقتصادياً وأمنياً فسلط عليه أبواق الاتحاد الاشتراكي لتطعنه من الخلف، ومن بعده كان اختيار عبد الناصر التالي لمنصب القائد العام للفريق فوزي الذي كان يُنعت بأنه الرجل ذو الوجه العابس دوماً، كما اختار أنور السادات لمنصب نائب رئيس الجمهورية وهو الرجل الذي كان الضباط الأحرار يعتبرونه مجرد مهرج لم يحصل على فرصته الكاملة في مجال فن التمثيل، وبهذا نجح جمال عبد الناصر في تجنب خطورة أي بديل محتمل، فركز في يديه كل السلطات من بعد المشير حتى مات.

نهاية عبد الناصر المفاجئة وضعت السادات على عرش مصر، ودهاؤه السياسي الذي فاجأ به كل خصومه أبقاه أحد عشر عاماً، تمكن خلالها من إبعاد حسين الشافعي آخر الضباط الأحرار داخل السلطة، وتولية مبارك الملقب بــ "البقرة الضاحكة" منصب نائب رئيس الجمهورية، بعد التخلص من الشاذلي والجسي وبدوي.

نهاية السادات أيضاً كانت مفاجئة، وأدرك مبارك الذي تولى سدة الحكم من بعده أنه لا يمتلك أية كاريزما، فتعمد خلال 30 عاماً إبعاد أي شخص يحمل ملامح الزعامة عن الأضواء، فرئيس وزراء مبارك كان إما القصير البدين كعاطف صدقي الذي استأمنه لمدة تسعة أعوام كاملة على أوضاع مصر الاقتصادية المتردية، أو طويلاً بائن الطول ذا عنجهية منفرة مثل أحمد نظيف.

وحين كانت تبرز أية ملامح كاريزمية لدى أي مستخدم لدى مبارك، كان قرار الاستبعاد يسبق إليه قبل أن تتعاظم أحلامه، أو تراوده نفسه مجرد التطلع لعرش الفرعون الراسخ، حدث هذا مع رئيس الوزراء علي لطفي، والجنزوري، كما حدث مع وزير الخارجية عمرو موسى بمجرد إعلان المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم عن حبه له في إحدى أغنياته الهابطة.

وقبلهم جميعهم نجح مبارك في إبعاد المشير أبو غزالة ليخلفه مباشرة العجوز المريض يوسف صبري أبو طالب محافظ القاهرة حينها، قبل أن يطمئن قلبه طويلاً للمشير طنطاوي الذي بدا لمبارك محدود الطموح.

مبارك لم يتعمد فقط تجريف الحياة السياسية في مصر، بل تعمد أيضاً تحجيم الخيال الشعبي قبل أن يهفو لفكرة وجود البديل، وليس أدل على ذلك من قيامه بتلفيق تهمة ساذجة للشخصية الوحيدة التي هزت أركان عرشه في انتخابات 2005، فضلاً عن تسليط آلته الدعائية لتشويهه حتى أثناء وجوده داخل السجن.

لذا كانت عودة الدكتور البرادعي في سبتمبر 2009 مفاجأة غير سارة لمبارك، فالرجل هبط على الساحة السياسية في مصر من خارج المنظومة، نقاط ضعفه غير واضحة لدى الأجهزة الأمنية، فكرة إلصاق تهمة تدمير العراق إليه لم يستسغها الشباب المطلع على الحقائق عبر الإنترنت، لذا بدأت فكرة وجود بديل مدني لمبارك بعودة البرادعي تتبلور لدى قطاعات واسعة من الشعب، ولا سيما بعد إعلان البرادعي رفض الترشح وفق آليات دستور 71 المعدلة لتناسب شخصاً واحداً فقط، هو بالطبع الوريث جمال مبارك، هذا الرفض أطلق فكرة الجمعية الوطنية، والمليون توقيع عبر الإنترنت، وأثمر ذلك في نهاية الأمر الحراك الشعبي الواسع الذي نسميه تيمناً بثورة يناير.

أدرك مجلس طنطاوي العسكري خطورة ترك الخيال الشعبي يرتاح طويلاً لفكرة وجود بديل من خارج المنظومة الحاكمة منذ 1952، فصمم الانتخابات الرئاسية عام 2012 بحيث تخلو من كافة الأسماء المزعجة الملهمة للخيال الشعبي مثل د/ أيمن نور، وحازم صلاح أبو اسماعيل، وحتى الرجل القوى داخل جماعة الإخوان المسلمين خيرت الشاطر فضل العسكر إبعاده حتى يتيسر لهم الانقلاب الذي عقدوا العزم على إنجازه ربما في اليوم الأول بعد تنحي مبارك.

وبهدوء وثقة بدأ العسكر في رسم صورة ذهنية شعبية لوريثهم الجديد عبد الفتاح السيسي، ساهم فيها الإعلامي توفيق عكاشة الذي سوقه للإسلاميين كأحد المنتمين فكرياً للتيار الإسلامي، ثم أدى السيسي بعد ذلك دوره كممثل عاطفي أثناء ظهوره اللافت بين الفنانين والذي تعهد فيه قائلاً:
-
- تتقطع إيدينا لو تتمد عليكم.. صحيح

وأكمل السيسي الخطة بنصيحته التي وجهها للشعب الذي ينفر تلقائياً من كل من يعتبره "عبده مشتاق" بألا يستدعي المؤسسة العسكرية حتى لا تتراجع مصر عقوداً للوراء، بل نصح الشعب يومها بالتغيير -إن أرادوا- عبر الصناديق.

وبعد الانقلاب أقسم السيسي أنه لا يرغب في السلطة لينفي عنه فكرة -عبده مشتاق- تماماً، بل تعمد أيضاً أن يبتعد لمدة شهرين عن الكاميرات لتسري إشاعة سربتها أجهزته الأمنية تتحدث تارة عن اغتياله، وتارة أخرى عن بتر قدمه إثر محاولة تفجيره، إشاعات خدعت أسماء كبيرة لدرجة أن بعضها روج لها على شاشات فضائية محترفة.

ظهر السيسي بالتزامن مع ظهور حملة كمل جميلك، عندها أصبح المخدوعون من هذا الشعب أكثر قبولاً لفكرة وجوده كبديل يمكن أن تستقر على أعتاب حكمه سفينة الوطن التي واجهت رياحاً عاتية منذ نادى أحرار شعبها بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية.

واليوم.. لا ينكر عاقل أن السيسي يقود البلاد صوب كوارث محققة، ومع ذلك تبقى النخبة عاجزة عن فن صناعة البديل الذي يستطيع أن يداعب خيال الشعب التواق إلى الخلاص، ذلك لأن صناعة البديل فكرة مؤسسية بالطراز الأول، وحيث إن حزباً سياسياً واحداً يمتلك أرضية شعبية واسعة -سوى الإخوان المسلمين الملتزمين دينياً بالبيعات- لم يسمح بتكوينه ونموه وتطوره منذ انقلاب 52، لذا نجد أن فكرة تعميد البديل تختص بها حصرياً المؤسسة الأمنية، في الوقت الذي يفشل فيه معارضو الانقلاب العسكري للعام الثالث على التوالي في إيجاد البديل رغم الشاشات والفضائيات وساعات البث الطويلة، وتعدد المواقع الصحفية، وفعالية مواقع التواصل الاجتماعي.

هذا الفشل يتناسب مع حداثة التجربة السياسية لدى معظمهم، والخلط الطفولي بين ما هو سياسي، وما هو ثوري، وعدم امتلاك البعض شجاعة مواجهة قواعده الشعبية ببديل توافقي، فضلاً عن تباطؤ خطوات تكوين جمعية وطنية يمكن أن ينتخب في كواليس اجتماعاتها اسم البديل، ومن ثم رسم الخطط المبنية على دراسة عميقة لطبيعة ونفسية الشعب المصري لتسويق هذا البديل شعبياً .

أكثر من ثلاثة أعوام انقضت كانت تكفي ليس فقط لبناء صورة البديل الذهنية لدى الشعب، بل كانت تكفي لرسم خطط إنقاذ عاجلة لمصر ما بعد السيسي.

إن الشعب المصري شعب أبوي شأن جميع شعوب المنطقة، شعب يهب ليجلس ملهمه على عرش بلاده، بل يستطيع أن يفرضه على أعتى الإمبراطوريات، كما فعلها الأجداد قديماً حين فرضوا محمد علي باشا على السلطان العثماني.
وأخيراً.. فإن التباطؤ والتردد في وسم البديل والعمل على تسويقه شعبياً يمنح السيسي عمراً أطول، ويتيح له فرصاً أفضل لاستكمال مخططه التخريبي الذي ينتويه وعبر أمام الكاميرات عن خشيته من الله أن يجازيه على هذه النية التي يضمرها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.