المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الغمري Headshot

زئير الخليج وقناع السيسي

تم النشر: تم التحديث:

اتهم عبد الناصر دول الخليج بالرجعية، ووضع قواته باليمن للضغط على عروشها المستقرة، وانتهى الأمر بنكسه اضطرته لسحب ألويته المقاتلة من اليمن، وفق الشروط السعودية، وقد فقد الجيش المصري 20 ألف قتيل وآلاف الجرحى والمبتورين في حرب أفقدت مصر أيضاً احتياطيها من الذهب، ولم يفهم لها سبب حتى اليوم، إلا ثأر شخصي بين رجلين دفعت الأمة ثمنه غالياً، ووجدت فيها إسرائيل وأميركا فرصتهما المواتية لتنفيذ خطة اصطياد الديك الرومي، بمعاونة أميركا جونسون المتصهين.

ارتفع ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز فوق الخلاف - وفق تعبير محمد حسنين هيكل في كتابه خريف الغضب - وشارك في القمة العربية التي عقدت في الخرطوم في أغسطس/آب 67، ووقع على شيكات لدعم المجهود الحربي المصري، تلك القمة التي أعلنت اللاءات الثلاثة، لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا تفاوض معها.

ثم غيب عبد الناصر عن المشهد باغتيال الموساد له، وفق إفادة شيمون بيريز عام 2014، وتولى السادات الذي كان على علاقة وطيدة برجل المخابرات السعودي كمال أدهم.

لا يمكن أن ينكر أحد الدور العظيم الذي لعبته المملكة العربية السعودية في حرب أكتوبر/تشرين الأول‏ 1973، فكعادتها وقفت المملكة العربية السعودية مع شقيقتها مصر في حرب أكتوبر وقفة تاريخية، وبمجرد علم الملك فيصل بنيّة بدء الحرب، كان شريكاً في الإعداد للمعركة وفي خوضها، والدعم اللوجيستي لمواجهة آثارها.

واستطاعت القوات المسلحة المصرية تحقيق بعض الانتصارات في الضفة الشرقية لقناة السويس، عندها وفي السابع عشر من أكتوبر قرر الملك فيصل أن يستخدم سلاح البترول في المعركة، فدعا إلى اجتماع وزراء البترول العرب "الأوبك" في الكويت، وقرروا تخفيض الإنتاج الكلي العربي بنسبة 5% فوراً، وتخفيض 5% من الإنتاج كل شهر حتى تنسحب إسرائيل إلى خطوط ما قبل يونيو/حزيران 1967م.

وقررت ست دول بترولية من الأوبك رفع سعر بترولها بنسبة 70%، وقررت بعض الدول العربية حظر تصدير البترول كلية إلى الدول التي يثبت تأييدها لإسرائيل بما فيها الولايات المتحدة.

كما استدعى الملك فيصل -رحمة الله- السفير الأميركي في السعودية وأبلغه رسالة للرئيس نيكسون تحتوي على ثلاث نقاط، هي:
1- إذا استمرت الولايات المتحدة في مساندة إسرائيل، فإن مستقبل العلاقات السعودية - الأميركية سوف تتعرض لإعادة النظر.
2- أن السعودية سوف تخفض إنتاجها بنسبة 10% وليس فقط 5% كما قرر وزراء البترول العرب.
3- احتمال وقف شحن البترول السعودي إلى الولايات المتحدة إذا لم يتم الوصول إلى نتائج سريعة وملموسة للحرب الدائرة.

واعتبر هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة، هذه القرارات ماسة بكرامة وهيبة الولايات المتحدة كقائدة للعالم، فقد أثاره أن العرب أعطوا أنفسهم الحق في استخدام البترول كسلاح، ورغبتهم في السيطرة على الغرب، كما أن هذه المرة الأولى في التاريخ أن يعطي منتجو البترول لأنفسهم حق تحديد سعر البترول.

وفى يوم 20 أكتوبر رداً على ذلك، أعلنت الولايات المتحدة أنها ستدعم إسرائيل بمبلغ 2 مليار و100 مليون دولار كشحنات أسلحة جديدة، وفى اليوم نفسه أعلنت الدول العربية حظر تصدير النفط تماماً إلى الولايات المتحدة الأميركية، فصرح الملك فيصل في أعقاب ذلك بحظر تصدير النفط إلى الولايات المتحدة، وأن الحظر لن يرفع قبل انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية التي احتلت عام 1967م.

كما صدرت الأوامر للقوات السعودية المسلحة والحرس الوطني، للمشاركة في معركة تحرير الأرض العربية، وامتزج الدم السعودي مع الدماء العربية في مصر وسوريا دفاعاً عن الشرف والكرامة، من أجل استرداد الأرض وتحرير المقدسات الإسلامية، ولا يعلم الكثيرون أن الأمير سلطان بن عبد العزيز قد تفقد أرض المعركة في أحد الخنادق على الجبهة المصرية.

عندما ظهرت آثار أزمة النفط في الولايات المتحدة ولدى حلفائها في الطوابير أمام محطات التزود بالوقود، هرع هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية لزيارة الرياض في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 1973، علَّه يحصل على وعد باستئناف تصدير النفط، وطوال نحو أربع ساعات قضاها في مباحثات مع الملك فيصل أولاً، ثم مع عمر السقاف، وزير الشؤون الخارجية السعودية، لم يسمع إلا عبارات قوية وسياسة واضحة، مفادها أن تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة ويعود بعدها تصدير النفط.

كانت المفاوضات شاقة بين الملك فيصل وكسينجر الذي سعى جاهداً لإقناعه برفع حظر النفط، بينما تمسك العاهل السعودي بأن تعلن الولايات المتحدة في الحال أن إسرائيل يجب أن تنسحب من الأراضي التي احتلتها عام 67، وأن تتعهد الولايات المتحدة بأنها ستتخلى عن تأييد إسرائيل إذا لم تنفذ هذه الخطوات على الأرض، حيث تحدث الملك فيصل بعبارات صريحة لكيسنجر قائلاً:-

- أنا متأكد أن إسرائيل ستنسحب في اللحظة نفسها التي تعلنون فيها أنكم لن تحموها، ولن تدافعوا عنها، ولن تدللوها.. ولن يكون هناك سلام واستقرار إذا لم تنسحب إسرائيل من الأراضي المحتلة.. وأن تتعهد الولايات المتحدة بأنها ستتخلى عن تأييد إسرائيل إذا لم تنفذ هذه الخطوات، نحن نرى أن إسرائيل عبء على الأميركيين، إنها تكلفكم كثيراً.

ومن جانبه، كان كيسنجر يحاول أن يقنع الملك فيصل بأن الولايات المتحدة قد بذلت الكثير من الجهود بعد حرب أكتوبر وعدّدها قائلاً:

أوقفنا إطلاق النار، رغم أن الإسرائيليين كانوا يريدون استمرار القتال وأنقذنا الجيش المصري الثالث، وأكدنا وقف إطلاق النار.

كما كشف كسينجر للملك عن قرار سري أميركي وهو إيقاف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل اعتباراً من منتصف نوفمبر 1973.

وحرص كيسنجر بدهائه على أن يوضح للملك الوضع الداخلي للولايات المتحدة المعقد وسيطرة اليهود على الكثير من مراكز القرار فيه في ضوء جماعات الضغط الداخلية قائلاً:

إن كثيراً من الأميركيين في مواقع مهمة في الحكومة وفي الكونغرس يرون أن مصالح الولايات المتحدة ومصالح إسرائيل متطابقة، ستواجه جهودنا مشكلات في أميركا إذا استمر حظر تصدير النفط، وإذا اضطررنا لبيع بنزين السيارات ببطاقات، وإذا اضطررنا لتخفيض بيع غاز التدفئة للمنازل، والشتاء على الأبواب، سيؤدي هذا إلى ثلاثة أشياء:

1 - ستقل قوة الرئيس نيكسون لأن أعداءه سيحملونه المسؤولية.
2 - ستستغل قوى معينة الموضوع لزيادة غضب الأميركيين على العرب.
3 - ستزداد المشكلات بيننا تعقيداً، نظرا لأن هذه القوى تتمتع بنفوذ كبير في الإعلام الأميركي.

كان رد الملك فيصل واضحاً، حيث قال:-
- أقدر توضيحاتكم المعقولة، لكني في الوقت نفسه، آمل أن تقدروا موقفنا، ما كان قرار وقف تصدير النفط قراراً فردياً من جانبنا، ولكنه كان قراراً عربياً جماعياً، نحن جزء من العائلة العربية، أريد منكم الالتزام بانسحاب إسرائيل، لأذهب إلى إخواني العرب، وأقول لهم ذلك، وأريد بالإضافة إلى ذلك شيئين:
أولاً: السرعة.
ثانياً: إعلان موقفكم علناً.

وفي نهاية اللقاء أدرك كسينجر أنه لم يحصل على أي مكاسب، فقال في نهاية اللقاء:-
- أفضل أن يضع جلالتكم في الاعتبار، بعد مغادرتي هذا المكان، أن الضغوط ستعرقل جهودنا، إذا لم تجعلها مستحيلة، وآمل أن يقدر جلالتكم الجهود التي قمنا بها حتى الآن أوقفنا إطلاق النار، وأنقذنا الجيش المصري الثالث، وأكدنا وقف إطلاق النار، وسنوقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل.

وعندما هددت الدول الغربية باستخدام القوة للسيطرة على منابع البترول، قال الملك فيصل مقولته المشهورة:-

- ماذا يخيفنا؟ هل نخشى الموت؟ وهل هناك موت أفضل وأكرم من أن يموت الإنسان مجاهداً في سبيل الله؟ أسأل الله سبحانه أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيل الله.

كما قال:
- لقد عاش آبائي وأجدادي مئات السنين على ثمار النخيل، ونحن مستعدون أن نعود للخيام ونعيش مثلهم، ونستغني عن البترول.

استطاع مبارك أن يبني علاقات استراتيجية مع الخليج الذي تتزعمه المملكة السعودية بعد القطيعة التي نشأت في أعقاب "كامب ديفيد"، واستجاب لطلب الملك فهد وأرسل أشهر فرقه العسكرية للتمركز في حفر الباطن عام 91 إبان أزمة الكويت، وظل الخليج ممتناً لما فعله مبارك وسمح لمئات الألوف من المصريين بالعمل هناك، فساهمت تحويلاتهم من العملات الصعبة في دعم الاقتصاد المصري المأزوم دوماً حتى جاءت ثورة الشعب المصري في يناير/كانون الثاني 2011.

لم تكن دول الخليج العربي مرتاحة للطريقة التي رحل بها مبارك، كما لم يسعدها مطلقاً أن يتولى الدكتور محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان، سدة الحكم في مصر، وبعيداً عن التسريبات الصحفية التي تحدثت عن الإشارات الإيجابية التي منحها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز للسيسي، كي يتحرك وصولاً إلى 30 يونيو/حزيران، نستطيع أن نؤكد أن الدعم السياسي، متمثلاً في البيانات المؤيدة لانقلاب 3 يوليو/تموز، وما تلاه من إجراءات أمنية مرعبة وقاسية، والدعم الاقتصادي متمثلاً فيما عُرف إعلامياً بـ"رز الخليج" قد منحا السيسي نجاحاً ما كان يحلم به.


وفي المقابل، أغدق السيسي في إرسال الابتسامات والوعود الزائفة مثل وعده الشهير "مسافة السكة"، الذي سرعان ما انهار، وانكشف زيفه بمجرد بدء عملية عاصفة الحزم التي حمل فيها الخليج راية العرب جميعاً ضد المد الإيراني، متمثلاً في جماعة الحوثي وأنصار المخلوع عبد الله صالح.

لطالما انبرت أصوات العقلاء المنتمين إلى الشعوب محذرين حكوماتهم من غدر من انقلب على رئيسه، خاصة بعد تولي الملك سلمان عرش المملكة، وكان الإعلام الموالي للانقلاب يرد ببذاءته المعهودة على من منحوا أمثالهم قُبلة الحياة بعد ثورة كانت ستذهب بهم إلى الهوامش غير المضيئة في كتاب التاريخ.

ومع ذلك دأبت إدارة الملك سلمان الحفاظ على شعرة معاوية التي تربطها بالسيسي، بما يضمن إمكانية التعاون معه على اعتباره أمراً واقعاً في الساحة السياسية، خصوصاً في ظل الانقسام الداخلي غير المبرر الذي أصاب جماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن ضعف الحراك في الشارع، والحالة التي بدت عليها المعارضة المصرية من ضعف وهزال سياسي وتراشقات بينية، والفشل المتوالي في الوصول إلى أجندة وطنية جامعة، بل وصل بهم الأمر إلى النعيق ضد أي طرح يمكن أن يعتبر أساساً يبنى عليه إنقاذاً للوطن مثل وثيقة وطن للجميع التي شارك فيها واحد من أهم وأخلص أساتذة العلوم السياسية في مصر.

وقبل أيام سقط القناع الأخير عن وجه السيسي الدميم، بتصويته لصالح المشروع الروسي الذي من شأنه دعم استمرار النزيف المؤلم في حلب، فخرج المندوب السعودي في الأمم المتحدة معلناً أنه من المؤسف أن يكون الموقف الماليزي والسنغالي أقرب إلى موقف المملكة من الموقف المصري.

كما خرج خالد التويجري، رئيس الديوان الملكي السابق، الذي نسق كل شيء مع السيسي، قبل وبعد انقلابه، كاسراً حاجز الصمت بتدوينة هي الأشهر هذا الأسبوع، عاتب فيها السيسي قائلاً:
- أنسيتم مواقفنا معكم كأشقاء!!
وكأنه كان يريد أن يقول:
- أنسيتم رزنا الذي لطالما أرسلناه لكم ورأيناه لا ينعكس إلا على أرصدتكم في بنوك الغرب.

هذا التحول إلى الانتقاد العلني قد يرد عليه السيسي الذي اعتاد اتباع أسلوب المكايدة السياسية بالمزيد من الارتماء في الأحضان الروسية المتعجرفة، في وقت يشهد فيه العالم توترات حقيقية بين القوى العالمية بسبب الملف السوري الملتهب.

فالسيسي ما زال يعيش نشوة نجاحه الرهاني في السيطرة على مقاليد الحكم منفرداً في مصر، هذه السكرة جعلته يتوسم في نفسه حجماً أكبر من حجمه بكثير، وربما أرادت المملكة شد أذنه بأنباء وقف إمداده بالنفط، مما قد يضطره إلى رفع سعره، فيزداد التهاب الأسعار في مصر قبل الموعد الذي ضربه الغلابة لثورتهم بأسابيع قليلة.

أثبتت التجارب أن الخليج لم يكن موفقاً في دعمه لانقلاب السيسي الذي فجَّر ينابيع الدماء فوق الأراضي المصرية، ولكن الروابط التاريخية بين شعوبنا تستطيع محو ذلك بين طرفة عين وانتباهتها، بل ونسيانه تماماً، خصوصاً إذا عمل الخليج على تصحيح اتجاه بوصلته صوب المواطن المصري البسيط، الذي دفع ثمن كل المخاوف الخليجية غير المبررة واقعياً من ثورته ونتائجها.

آن الأوان أن يتخلص الخليج من مخاوفه الدائمة بشأن مصر المدنية، ومن أي تجربة ديمقراطية مصرية توائم عراقتها البرلمانية، وتطلعات أغلبيتها الشعبية، وأن تبحث في رموز المعارضة المصرية عن وجه متوافق مع أجندتها العربية التي تحتاج إلى ثقل مصر القوية في ظل تهديدات إيرانية وقحة، وقوانين أميركية سخيفة، كذلك الذي أصدره الكونغرس قبل أيام منتهكاً به السيادة السعودية.

إن الوقت يكاد ينفد والدائرة تضيق على أمتنا، وربما جاء الوقت الذي تحتاج فيه الأمة لزئير أشقائنا في الخليج وهم الأكثر استقراراً، زئير يصحح الأوضاع، ويكثف القوى العربية، ويوحد اتجاهاتها، وقد سقطت كل الأقنعة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.