المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام الغمري Headshot

الطوفان القادم في 2017

تم النشر: تم التحديث:

لا أستطيع قراءة العام المقبل سياسياً إلا بتوقعات لا تُخفي قدراً كبيراً من الأزمات التي سترتفع إلى حد الكوارث والأحداث الجسام، أراها آسفاً تقترب بأهداب سامة لتلتصق بجسد بلادي.

قبل أيام وأنا أستعد لاستقبال العام الميلادي الجديد، جاءتني هذه الرسالة البسيطة كلماتها، العميقة في دلالاتها، سُطر فيها:-
"أ/حسام.. أنا متابع برنامج حضرتك.. أنا من الصعيد.. الواقع المقبل أقرب لفيلم الجوع.. معدل الجريمة ارتفع بشكل غير عادي.. وعلى وجه التحديد السرقة.. والتسول.. الوضع أقرب لانفجار.. ربنا يستر".

أهمية هذه الرسالة ليست فقط في أنها تتحدث عن الجوع الذي أدى إلى ارتفاع معدل السرقة والتسول؛ بل لأنها جاءت من الصعيد المصري، مخزن القيم والعادات والتقاليد والعائلات العريقة بكبرائها الذين ما زالوا يحتفظون بسُلطات زعماء القبائل العربية القديمة، الصعيد حيث عزة النفس والإباء، حيث الدم الحر، والخشية من العار أينما وُجد.
الصعيد حيث السلاح والأعراس التي يضرب فيها بعشرات الآلاف من الجنيهات طلقات الابتهاج، الآن يضربه الجوع!!

عندما تخرج هذه الرسالة من الصعيد، الكريم، الشهم، الصلب، فليس من المنطق إهمالها، ونحن بصدد عمل قراءة مستقبلية للعام الذي أوشك فَجرُ أيامِه أن يولَد.

"لو كان الفقر رجلاً لقتلتُه"، عبارة تنسب للإمام علي، كرَّم الله وجهه، وأياً مَن كان قائلها، فهي دون شك تعكس حجم الفساد الأخلاقي والاجتماعي الذي يتسبب فيه الفقر، وهذا ما دُفعت البلاد إليه دفعاً بسبب سياسات الباكي بافتعال، العارض نفسه للبيع بامتهان، الكاذب فمُه، عدو الأمة عبد الفتاح السيسي.

إن الموعد الذي تقرر مخابراتياً لتعويم سعر الجنيه وسط زخم الحديث عن ثورة الغلابة في نهايات العام الحالي ستتعاظم آثاره المؤلمة المنهكة للمواطن المصري في العام القادم، بعدما تكون الشهور الأولى التالية للقرار قد امتصت ما بقي له من مدخرات كان يحتفظ بها لزمان أغبر كزمان السيسي، كما أن رحلة صعود الدولار يبدو أنها ستشبه رحلة صعود الأسطورة في العمل الدرامي الرمضاني الشهير، فالسيسي يعمل على إنهاء أي فرصة لزيادة موارد الدولة الدولارية، فالسياحة شبه متوقفة نتيجة حربه الوهمية على إرهاب يصنعه، ويبدو أن معالي وزيرة السياحة قد أيست من تسويق مصر السيسي سياحياً، وأعلنت اكتفاءها بالسائح المصري، أو لعلها توجيهات سيدها!

كما أن ثقة المستثمر الخارجي في الاقتصاد المصري لا تختلف كثيراً عن ثقته في الأفاعي السامة، وإن تحدثنا عن تحويلات المصريين بالخارج، فدعوني أنتقل إلى مقعد شاهد العيان الذي تابع قيام مصريين مقيمين بالخارج بشراء أراضٍ بالسودان الشقيق، مفضلين إياها على الاستثمار داخل مصر؛ لظنهم أنها أكثر أمناً بسبب سياسات المغتصب الحالي، ولكم أن تتخيلوا كثافة الاستثمارات المصرية في أوروبا الغربية وكندا وأميركا، وبالطبع داخل تركيا.

وتبقى الهجرة العكسية للدولار، هي نوع الهجرة الذي نجح في الحفاظ على تماسكه في عهد السيسي، لا سيما مع بلوغ الفساد الحكومي حد العهر والفحش، في ظل سلطة لا تخجل في كشف عوراتها السياسية، ومنها الحكم الصادر ضد المستشار جنينة بحبسه؛ لأن الرجل تجرأ وتحدث عن مؤشرات متواضعة تدل عن حجم المليارات المنهوبة!

لا أريد الحديث عن خدمات الديون التي قام السيسي بإغراق البلاد في وحلها، مستعيداً سيرة الخديو إسماعيل الذي انتهى عهده بوزير بريطاني ووزير فرنسي يشاركان في حكومته؛ بل تأتمر بأوامرهما، وصولاً إلى فقد الاستقلال تماماً في عهد مَن خلفه.

لا أريد الحديث عن النيل الذي أوشكت إثيوبيا المراوغة على غلق صنبوره، وملايين الأفدنة المعرضة للعطش في بلاد عرفت أخيراً الفقر المائي.

لا أريد الحديث عن تعويضات تستطيع أن تطلبها إيطاليا على خلفية قيام أجهزة الأمن باغتيال الباحث ريجيني.

لا أريد الحديث عن حادث الطائرة المصرية التي انطلقت من فرنسا، وسقطت في المتوسط، مع شبهة وجود مواد متفجرة بات المحققون يتحدثون عنها، وغرابة هذه الحادثة أن أسماء ضحاياها لم يعلن عنهم حتى الآن، والحجة واهمة، هي الحفاظ على مشاعر أهالي الضحايا، وقناعتي الشخصية أنه ربما كان بين ركاب هذه الطائرة المنكوبة من أراد مجرم النظام العالمي التخلص منه!

لا أريد الحديث عن عودة متوقعة لعشرات الآلاف من المصريين العاملين بالخليج نتيجة لسياسات السيسي المتآمرة على كل ثوابت المنطقة العربية.

لا أريد الحديث عن اختفاء متوقع للأدوية، والمزيد من تردي أوضاع المستشفيات الحكومية بعد تجاهل حقوق الأطباء العادلة في رواتب تكفل لهم حياة كريمة.

لا أريد الحديث عن مصانع مرشحة أن تتخذ قراراً بالغلق، إما بسبب عدم قدرتها على تدبير مستلزمات الإنتاج الأولية المستوردة من الخارج بسبب تغول الدولار، أو بسبب رغبة انكماشية نتيجة ضبابية حركة السوق المصرية بعد التضخم الذي سفح الدخل الحقيقي لدى غالبية المواطنين، وبالتالي قدرتهم الشرائية.

لا أريد الحديث عن تفاقم أزمة البطالة لدى الشباب المصري، بعد عجز مشروعات السيسي الوهمية عن استيعاب طاقاتهم، فضلاً عن دور مؤسسته العسكرية التي نافست المجتمع المدني في معظم نشاطاته الاقتصادية بامتيازاتها النسبية!

لا أريد الحديث عن كل ما سبق وغيره تفصيلاً وتحليلاً؛ لإدراكي أن مصر أنجبت ثلة من المتخصصين الجادين في كل المجالات، ولكني أفضل الحديث عن ممارسات متوقعة لسلطة السيسي في عام 2017 ستهدف إلى إلهاء الرأي العام وصرف انتباهه بعيداً عن أزماته الحقيقية وأوضاعه المرشحة للانفجار في 2017.

أتوقع تفجيرات كبيرة تنفذها أجهزة الدولة الأمنية على غرار تفجير الكنيسة البطرسية لترسيخ فكرة الحرب على الإرهاب، وحرائق لا تتوقف على غرار حرائق منتصف العام في أسواق القاهرة القديمة، وقد تنتقل إلى عواصم المحافظات التي قد تشهد احتجاجات عمالية أو ثورية.

أتوقع تفعيل لمقصلة قضائه الفاسد لتدمى قلوبنا بإعدامات على غرار ما حدث لشباب عرب شركس وحبارة.

أتوقع زيادة في استخدام المحاكم العسكرية ضد المدنيين، والتوسع في استهداف الصحفيين، وصولاً إلى عسكرة تامة للإعلام بعد تغييب كل إعلامي يمكن أن يشكل ضرراً، محتملاً على نظام السيسي بكلمة حق يدفعه إليها ضميره؛ ليبقى فقط من هم على شاكلة موسى وبكري والغيطي!

والأخطر من هذا كله، أتوقع بقلب متألم ارتفاع في معدل الجريمة، وزيادة مطردة في أعداد البلطجية، وتوحش ظاهرة العنوسة، وازدياد معدلات الطلاق بسبب تدني قدرة الأزواج على تدبير متطلبات الحياة الزوجية؛ نظراً للارتفاع المطرد في أسعار السلعة الأساسية!

أتوقع أن يزداد الوضع في سيناء سوءاً، وأن نشيِّع بدموع حائرة المزيد من جنودنا المساكين الذين زجَّ بهم السيسي في حرب وحده يفهم أهدافها، بعدما فضح نفسه بنفسه حين اعترف بالصوت والصورة بأن حصار مدن سيناء وإفراغها من سكانها وتدمير منازلهم سيخلق عداوة بين المؤسسة العسكرية وأهالي سيناء، عداوة تغرقنا في دوامة عنف.

أعلم أن السطور السابقة تحمل ملامح كارثية لعام يقترب بشدة، ولكن لعل الفجر كما عوَّدنا يولد من رحم الليل البهيم، لعل الشعب الذي تآلف مع الخضوع والاستكانة، واعتاد على الدنية والدونية، الشعب الذي لطالما حارب أنجب أبنائه، وأساء الظن بالمخلصين، وظن خيراً بالفاسدين، واستكان وانبهر بفراعنته الظالمين، لعله يفيق، لعله يدرك أن الحكم الرشيد عبر آليات متوافق عليها هو وسيلته الوحيدة لتحقيق حياة كريمة باتت بعيدة المنال عن غالبيته.
لعل الشعب يدرك أن حاجته للوعي هي حصانته وضمانة ألا يتعرض مجدداً لخداع واستخفاف كذلك الذي أفرز 3 يوليو/تموز وما تلاها من شلالات دماء يبدو أنها لن تتوقف قريبا!
لعل الشعب يقرر العودة الهادرة في 2017 إلى الميادين، عودة كالطوفان يقتلع كل مَن سمَّم حياته وجعل بلاده في ذيل الأمم، وبعدها نستمتع معاً بالبناء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.