المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام عبد الحكيم عبد الله Headshot

حب بلا هدف

تم النشر: تم التحديث:

أذهبُ للجامعة فَتَذوبُ زُبْدةُ وقتي بالمحاضرات، أنتهي عصراً فأعودُ إلى المدينة الجامعيّة مُسرِعاً؛ كي ألحق وجبة الغذاء، أحياناً أَضَعُ مِلعقتي بحقيبتي لِأَمُر بالمطعم فَوْرَ عودتي.

بغرفتي الصغيرة أُلقي بجسدي النَّحيل المُنْهَدّ على سريري المُهَلهَل، ضحكاتي مع رُفَقَاء المَمَر.. الخطوات الطاهرة التي تأخذني من غرفتي إلى مسجد المدينة.

أستقبلُ أشِّعة الشروقِ من شُرفةِ الطابق الذي أسكنُ فيه.. قطرات الندى الرقراقة التي تُلامس وجهي.. أحياناً تكون قطراتُ الندى وأحياناً تكون قطراتٌ مِنْ ملابس صديقي التي لم تقتص منها حرارةُ الشمس بقدرٍ كافٍ فلم تَنْشَفْ بعد!

لي عالمي الخاص، صُنِعَ على عينٍ من الله، تَعِبْتُ كي أَقِرُّ فيه، فأنا شابٌ ريفيٌّ مُغتَرِبٌ لم أتعوّد فِراق أهلي، هذه الغربة فَرَضَتْ عليّ نوعاً مِنَ الوحدة، والوحدة تَضْطَرُ صاحبها إلِى أن يَكُونَ له عالمٌ يأنسُ فيه.

أحببتُ العيشَ بين كتبِ الأدب، خصوصاً الذي يتعلق بالمنفى والغربة، فأنا في منفى اختياري طلباً للعلمِ ورغبةً في نزحِ الجهل عن أبناء قريتي وفتحاً لباب رزق أوسع لأسرتي.. تُعبّر عني رسالة من المنفى لمحمود درويش:

"فكيف حال والدي؟
ألم يزل كعهده، يحب ذكر الله
والأبناء.. والتراب.. والزيتون؟
وكيف حال إخوتي؟
هل أصبحوا موظفين؟
سمعت يوماً والدي يقول:
سيصبحون كلهم معلِّمين...
سمعته يقول:
أجوع حتى أشتري لهم كتابْ
لا أحد في قريتي يفك حرفاً في خطابْ!

وكيف حال أختنا؟
هل كبرت.. وجاءها خطّاب؟
وكيف حال جدّتي؟
ألم تزل كعهدها تقعد عند الباب؟
تدعو لنا
بالخير.. والشباب.. والثواب!
وكيف حال بيتنا؟
والعتبة الملساء.. والوجاق.. والأبواب!".


في يومٍ هادئٍ أجلسُ في رُكني المُعتاد بالحديقة الخلفيّة لقصر الزعفران، ذلك القصر الذي يتوسط جامعة عين شمس، لون الخضرة الذي يبعثُ في النفس بهجة، الورود الحمراء التي تشبه خدود الفتيات اللاتي أجتهد في غض بصري عنهن.. أستنشق عَبّاتِ الهواء الربيعي الجميل.

إذا بوجهٍ كالقمر يُشرق عليّ من رُكنٍ بالحديقة...فتاةٌ مجهولة العنوان والأحلام تبادلني النظرات، تَهُبُّ مع نظراتها نسمات تحملُ عبيرَ الياسمين.

حياء الفتى الريفي يمنعني من مُبادلتها في بادئ الأمر، كما أن كلمات شيخ المدينة في درس أول من أمس ما زالت تَقرَعُ أُذني فتَقُضُّ عَلَيّ مَضْجَعِي: دينك دينك.. دينك لحمك.. دينك دمك.

أخذتُ كتبي وعُدتُ للمدينة أُواجه الروتين اليومي، لكني كنتُ شاردَ الذهنِ مُنشغلاً بها إلى الحد الذي جعلني أتناولُ الغذاء من دون أَخذ نصيبي مِنْ حبّات الفاصوليا!

اليوم التالي تكرر اللقاء.. استمر الحال فترةً.. شُغِلت عن أصحابي، أضعتُ عدداً من محاضراتي؛ انتظاراً لشروق شمس حبي فتضيء ما حولي.

لقد أَلِفْتُ الذهاب للحديقة.. قديماً، كنتُ أذهب لاستذكار بعض دروسي بعيداً عن ضوضاء مَمَر المدينة وبعيداً عن الاختلاط السافر في حرم الجامعة.. لكني الآن أحببت المكان؛ فالفتاة ذات الوجه الحسن والرِّقة المُتناهية تنتظرني.

فكرت كثيراً كيف أفتح حواراً بيننا؛ فلقد علّقتني وعلّقتها.. نظراتنا كانت تحمل رسائل أكثر مما خَطّهُ جبران لِمي زيادة أو لماري هاسكل.

كنت أكتفي بالنظر وتَصنُّع الخجلِ.. جو حالم يشبه الروايات.

إن تحدثنا فسأحادثها في بعض المحاضرات التي درستها في قسم اللغة الإسبانية أو الكتب التي قرأتها؛ فأنا طالب بكلية الألسن- نسيت أن أخبركم بهذا.

أظن أن الحوار بيني وبينها سيشبه الرسائل التي كانت تربط الأديب التشيكي كافكا مع محبوبته ميلينا والتي انتهت علاقته بها بالفشل بطبيعة الحال!

أصبحتُ أتجمَّل وأهتم أكثر بأناقتي، كَمْ تمنيتُ لو أنّي أمتلكُ قدراً كافياً من المال لشراء إحدى الماركات من الأحذية أو المعاطف الفاخرة؛ كي أظهر بمظهرٍ بَرّاقٍ في عينيها.. فالكثير من المُحبين يتجمّلون؛ كي يحتَلّوا مكانةً أرقى في أَعيُنِ من يريدون جَذْبَ انتباههم أو أَسْرِ قلوبِهم
يقول دويستويفسكي في رواية "الفقراء": "نحن لا نرتدي المعاطف لأنفسنا، ولا ننتعل الأحذية لذواتنا وحسب، وإنما من أجل الناس، إن حاجتي للمعطف والحذاء هي لغاية صوت الشرف والحفاظ على السمعة".

لا يدري المُحِبُّ المسكين أنّ كل زيفٍ سيَظهر وكل قناعٍ حتماً سيَسقُط.

في البداية، لم أملك سوى نظرات وبسمة مسروقة أُرسلها بين الحين والآخر.. إلى أن حدث وصال بيننا وتجاذبنا أطراف الحديث.. تمادينا شهوراً.. لقد تجاوزتُ حدود الشرع.. تناسيتُ أمر الله -عز وجل- بغض البصر.. بدأتْ تُطرِبُني أغاني العشق لمن ضيّعهم الأمل.

أصبحتُ أحزن إذا تغيّبتْ فتاتي يوماً عن موعدنا الذي أَبْرمنَاه بنظراتنا وبحديثنا المُفْعَم بالمشاعرِ.

لقد باتت تشغل جُلّ خواطري.. فلقد سَقَيتُ الخاطرة بماء الفكرة، فنَمَتْ البذرة إلى شجرة وتَجَذّرتْ في عقلي ووجداني.

قررتُ أنْ أُعالج نفسي بألّا نتقابل ثانيةً، لكني انتكست تحت حبالِ الشوقِ الزائف الذي نَسَجْتُهُ مُسبقاً.. فَكُلّما عاهدتُ الله عهداً انتكستُ من الصباحِ! كلما لَطَمتُ وجهي أني سأعود لصلاحي السابق نسيتُ الألم؛ بل أَحِنُّ إليها مُعَذّبتي!

عُدتُ للحديقة وجدتها كشهرزاد تنتظرُ سندباد الذي أنْهَكَتهُ بحارُ الشوقِ.. استجمعتُ قِواي وأبلغتها أنّي لن أُكمل المسير معها.. كنت ادّعي الجفاء، لكني على يقين بأنّ هذا الخير لِكلينا.. مَضَتْ والحزنُ يجتاحُ كِيانها.

مؤخراً، لم تعد تأتي.. مضى عام دراسي لم نتحدث.. أُطاردُ وجهَهَا في حرمِ الجامعة، لكنّها ذابتْ.. حياتي من دونها كما السراب.. رَحَلَتْ ورَحَلَتْ معها أوهامي وخواطري، لم أملك سوى أن أردد أبياتاً حفظتها قديماً:

"فلَيتَكَ لوْ بَقيتَ لضُعْفِ حالي
وكانَ الناسُ كلهمُ فداكا
يعزّ عليّ حينَ أديرُ عيني
أفتشُ في مكانكَ لا أراكا"
كَأنّ الشاعر العباسي بهاء الدين زهير كتبها خصيصاً لمن هم في مثل حالي!

غصّةٌ ترافقني وحنينٌ لتلك الأيّام، لكن لطف الله الخفي بضعيف مثلي أن أنتبه لحالي وأبتعد عن نارِ الجاهلية التي اصطليتُ بنارها.

بدأتُ البحثَ عَنْ علاج لدائي، وَصَدتُ الباب نهائياً، خَلَوتُ بنفسي في ظُلْمة الليالي وحاسبتُها عن سوء الفِعَالِ، ودعوتُ الله دُعاء المُضطر.

بدأتُ أُمَرّغ وجهي في كتابِ الله، قرأتُ "الداء والدواء" لابن القيم عَلّي أجد بُغيَتي فيه.. صِرتُ أسمع نصيحةَ كُلَّ مَنْ ذاقَ مِنْ نفسِ الكأس مِمَنْ سبقوني مِنْ صَرعى ومجروحينَ في صراعاتِ الهوى.

هل هذا حب حقيقي؟ أم أنها مراهَقة مُتأخرة لم تُسعفني ضغوط المعيشة بقريتنا أن أمارسها؟!
كنتُ أعلمُ أنه حب بلا هدف، جعلني أعيش في عالم الروايات على أنغامِ قصائد الغزل التي أقرأها، وسَقيتُهُ بتصرفاتٍ لا تتناسب مع شابٍ في مُقتَبل الرجولة يُعلّق عليه أبناء عائلته الكثير من الطموح.
حبٌ مبني على فورة عاطفية لإشباع نشوة عقلية وشهوة جسدية عابرة.

مهلاً..قد أكون صادقاً في حُبّي لها...ِ لكن لم أُرِد أنْ أمضي في طريقٍ نتجرّعُ بسببه الندامة !

الحب هو ماء القلب، وليس حراماً في ذاتِه، الحرام أنْ يشغلك عن طاعة الله، الحرام أن تُقيِّد نفسك بأحبالٍ شيطانية، أنْ تسمح لِسُّم الوهمِ الزُّعاف بان يسري في جسدك.

الحبُّ العفيف هو أَنْ نسلُكَ درباً تكون نهايته قَوْل الله جلّ وعلا: "يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". (سورة الحديد: 12)

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.