المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام عبد الحكيم عبد الله Headshot

الفتاة التي قابلتُها بالمقهى

تم النشر: تم التحديث:

المكان حولي تملأه الكآبة والملل، لون الواقع أبيض وأسود، بيتي، غرفة نومي، مكتبي، ملابسي، جميع الألوان من حولي بالأبيض والأسود، تشبه الصور التي التقطها المصور العالمي "روبرت فرانك" القرن الماضي. حاولتُ الخروج من هذه الحالة المزاجية بكل السبل، لكن لا جدوى.

بدأتُ البحث في هاتفي عن رقم أحد الأصدقاء كي نخرج معاً كما كنتُ أفعل فيما سبق، المُشكل أن الكل مشغول بين أبنائه وأعماله، عزمتُ على الخروج مُنفرداً، ارتديت حُلتي، أخذت مِفتاح سيارتي، تجوّلت بين شوارع القاهرة، لم تتغير كثيراً منذ آخر مرة زُرتها، نفس الضوضاء، الزحام، أضواء الشارع الخافتة، طيبة ساكنيها.

ذهبتُ للمقهى الراقي "كافيه" الذي كنت أحبه في مُقتبل شبابي، اتخذتُ طاولة من كُرسيين وكأني أنتظر شخصاً ما لن يأتي، جاء الجرسون: ماذا تريد سيدي؟ أريد كوباً من القهوة التركية بدون سكر، نظر إليَّ الجارسون مُستنكراً، وكأنه يستنكر عليّ كيف سأتحمل مرارة القهوة مع مرارة واقعي المُحيق.

بدأتُ أرتشف من قهوتي، صوت الموسيقى حولي، أريده أن يصمت، يُدَغْدِغُ مشاعري بطريقة سلبية، لكن الوقت غير مناسب لأُظهر ردايكاليتي الفكرية كما يراها البعض، ثم إن الهم الذي بين صدري أنساني أن أتكلم في هذا الشأن.

وسط هذا الصراع النفسي الحاد دخلتْ فتاة في كامل زينتها، يبدو من ملامح وجهها ومن نظراتها أن بيننا تعارفاً ما، لكن أنا علاقاتي بالنساء أصبحت محدودة، ثم إني لم أعرف فتاة جميلة بهذا الجمال من قبل، سوى الفتاة التي أحببتُها عندما كُنت شاباً في الجامعة.

يا إلهي! إنها تشبهها تماماً.. أم أنها هي؟!

أيُّ قدر هذا.. إنها هي.. القامة الطويلة.. الوجه الأبيض.. أحمر الشفاه الخفيف.. الميك آب الهادئ.. لكن دبّت إليها السَّمنة بشكل مُبالغ فيه، يبدو أنها لا تمارس حِمية غذائية كما عهدتها أيام الجامعة، تبدو عليها شحوبة إرهاق ما، لعلها حزينة لفراقنا!!

أُفكر في تصريف أقدار الله، قديماً كم كنا نختلف على تحديد موعد خروجنا معاً، ثم ها أنا ألتقي بها على غير موعد ولو تواعدنا لاختلفنا!!

بدأتْ البسمة ترتسم على وجهي شيئاً فشيئاً، أُبادلها النظرات من بعيد كما كنا نفعل في مكتبة الكُليّة، أتأمل يديها، أناملها تحديداً هل يوجد خاتم أو أي شيء من تلك الأغلال التي توحي بأنها تزوجت وأصبحت أسيرة رجل غيري.

يأتي الجارسون ليسألها عما ستشرب.. أُُلقي مسمعي كي أختطف نبرات صوتها.. وفضولي كي أعرف ماذا ستشرب.

أريد كوباً من القهوة التركية.. هكذا قالت للجرسون.
أعلمُ أنها لا تُحب القهوة، لكنها تعمّدت أن تطلبها، لتخبرني بأنّها ما زالت تُكِن مشاعر لي، وأنّي ما زلت أتنفسُ في قلبها، طرقتُ بذهني وأخذتُ أردد بيت شعر يصف حالي وحالها:

أأحسد البنَّ أمْ فنجانَ قهوتِها ** إنْ باتَ في يدها تكسوه بالقُبَلِ

قررتُ أن أنتفض من مكاني لأفاتحها في موضوعنا من جديد لعل المياه تعود لمجاريها وتبحر سفينتنا في بحر الحب من جديد، فأنا الآن ثري بالقدر الكافي الذي يُمكنني من خطبتها، وكل تلك المبررات التي رفضني والدها لأجلها انتهت، لقد أصبحتُ في مكانة يحلم والدها بها.

يقطع عليّ حبل أفكاري صوت طفلة في الرابعة أو الخامسة من عمرها، ذات خصلات شعر ذهبية، ترتدي فستاناً أحمر تنادي "ماما.. ماما.. إحنا جينا"، فتعانقها وتزرع قبلة على خدها الوردي، لا أستطيع جمع تلابيب عقلي من هَوْلِ الصدمة.. الصدمة هذه تتبعها صدمة أخرى؛ إذ برجل أصلع له كِرش يتمدد أمامه، يسحب الكرسي فيصدر ضوضاء يتأذى منها كل من بالمقهى، ينتابها خجل مما فعل لكنها تكتفي بالنظر إلى الطاولة، يجلس، فيسألها عن قهوته، يُعنّفها ببعض الكلمات لا أذكرها، شغلتني لعثمتها والهزّة التي انتابت جميع أركانها، وددتُ لو كنتُ مكانها فأحمل عنها ولو قليلاً من هذا الخجل.

أدركتُ أنها قد تزوجتْ، لقد أصبحتُ مجرد ذكرى في حياتها، حتى كوب القهوة كان لزوجها!

انتهت كل الأمنيات التي رسمتها في الدقائق الماضية، بسرعة البرق تغيرت حالتي المزاجية، لا أستطيع تحديداً وصف حالي ما بين السعادة لمعرفة موقعي من حياتها أخيراً، أما أحزن على فراقها، أم أحزن على حالها مع زوجها الجديد، أم أنتشي!

لا أُخفيكم سرا إنّ ترددها وخوفها الشديد من زوجها الذي يبدو أنه صعب الطِباع جعلني لم أعد أثق بأن شخصيتها كانت ستتحمل معي مشاق عملي، ثم إن السِّمنة التي دبّت إليها جعلتني أفكر كثيراً فيما إن كنت مستعداً للارتباط بها أم لا.. نعم هي تركتني في بداية شبابي لضِيق ذات اليد، فأنا مستعد أن أُضحي بها لأجل بعض الكيلوغرامات التي زادت فغيرت مظهرها.

المرأة التي تُحب الرجل لماله يحبها الرجل لجسدها، والحب الذي يُبنى على المادة لا يستمر مع مرور الأيام ويسهل أن تتغير نظرة أحد الطرفين للآخر إذا تغير الشكل أو قَلّت الأموال.. هذا حب زائف.

الحب الحقيقي هو ما يكون مبنياً على تضحية من الطرفين، الحب الحقيقي هو الذي نُجابه صعوبة الدنيا لأجل بقائه، ونواجه السيل الهادر من الهموم والمشاكل كي نبقى معاً.

الحب هو المودة والرحمة التي زرعها الله -عز وجل- في قلوبنا فتكتمل برباط الزواج المُقدس، قال تعالى:

"وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم: 21].

خرجتُ من المقهى لا ألوي على شيء، أشكرُ والدها في نفسي أنْ جعله الله سبباً لفراقنا، وأحمدُ الله على هذا اللقاء الذي جعلني أنتبه لحياتي من جديد، أربعة أعوام قضيتها بالسفر أبني مستقبلي كانت كفيلة لكِ أن تُكوّني أُسْرَة وتحملي اسم رجل غيري.

فهل كذب نزار قباني حين قال: إن لم يُزدك البعد حباً فأنت لم تُحب حقاً.

نعم.. نحن لم نحب حقاً يا سيدتي، أنا صرتُ جزءاً من ماضيكِ، وأنتِ صرتِ كذلك، كِلانا صار ماضياً، فليس كل من نطق بالحب كان مُحباً صادقاً.. هكذا تعلمت من مدرسة حُبكِ.

الآن أقود سيارتي بلْه مستقبلي لأعود لعالمي وأستكمل حياتي؛ لأبحث عن معنى الحب الحقيقي مع فتاة خُلقت من روحي كي أسكن إليها، فتاة تجذبني روحها قبل أن يجذبني لون بشرتها، فتاة تحتويني كما احتوت السيدة حوّاء النبي آدم عليه السلام.

قد تكون هذه أحداثاً من وحي خيالي، إلا أني نسجتها من خيوط واقعنا المُعاصر، كي أبثكم معاني الحب الحقيقي فيما أراه؛ لتتمسكوا بمن تحبون ولا تجعلوا للمال سبيلاً لنقض عُرى الحب، فعليُّ -رضي الله عنه- خَطَبَ فاطمة -رضي الله عنها- بخاتم من حديد والقليل من متاع الدنيا، فخرج من نسلهما سيدا شباب الأمة في الدنيا وسيدا شباب الجنة في الآخرة.
هذا هو الحب فيما تعلمت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.