المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام عبد الحكيم عبد الله Headshot

سَرابُ الإعجَاب بِالمشاهيرِ الجُدُد

تم النشر: تم التحديث:

"كل قلبٍ فارغٍ مِن الله عز وجل سهلٌ أَنْ يَسكُنَهُ هوى غيره، والقلبُ كالدارِ إنْ لم تُسكَن صارتْ خراباً.."
الحافظ ابن الجوزي-صيد الخاطر

من الأمراض التي نَخِرت مِنها عِظامُ المُجتمع مُؤخراً، مَرضُ تَعلُّق الفتياتِ بشخصياتٍ يٙعددنٙها نجوماً يهتدينٙ بها، شخصياتٍ حٙظِيٙتْ بشُهرٙةٍ وسُمعة على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي. تَجِدُ بعضَ الشبابِ يَتَديَّنُ ظاهريّاً؛ لحيةٌ خفيفةٌ أنيقة، مع ثيابٍ مُنَمّقة، يبدأ الشابُّ قراءةٙ كتابٍ مِن هُنا وآخرٙ من هُناك، ولا يلتمِسُ ما يُوصِلُه إلى الحقيقةِ مِن أسباب؛ فَتَتَكَوّنُ لَدَيّهِ ثقافةٌ سطحيّةٌ أُفُقيّة، فيأتي بالطوامِ ويخوضُ غِمارَ مٙسائِلٙ أكبرَ منه، مع إغفالِ جانبِ التربيةِ الإيمانية والتزكيةِ الذي هو من أهم غاياتِ طلبِ العِلم :"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ" (سورة البقرة: 129).

ثم يبدأُ بنشرِ فيديوهاتٍ دعوية، ويكتبُ على مواقعِ التواصلِ فيلبسُ ثيابٙ الشُّهرة، ويَتَشَبَّعُ بِما لَمْ يُعْطَ، ويُصابُ بأمراض القلوبِ من العُجبِ والغرورِ والجهلِ المُركّٙب. ويبقى المرضُ العُضَالُ الذي أٙثٙرُهُ يَتفَاقَمُ، وهو اللّعِبُ بقلوبِ بناتِ المُسلمين، حيث تبدأ الإعجاباتُ النِّسويّٙةُ طَرقٙ بابِه، ودَغْدَغةِ مشاعِرِه، ثُم المُتابعاتُ تُمْطِرُ عليه، بعدها يتحيّٙنُ الفُرصٙةٙ هذا المُستحيلُ ذِئباً فيدخلُ لفتاةٍ أو أكثر مٙداخِلٙ الرِّيبة، وهو يقولُ في نفسِه: مٙن سَتُسيءُ بيٙ الظّٙنّ؟!

فهو يرٙى أنه الشيخُ المشهورُ الذي لا يُشَقُّ له غُبار، وأنه الشابُّ الصالِحُ شَاهِداً لهُ كلُّ مشاهيرِ العالٙمِ الافتِراضِيّ، عالمِ فيسبوك، وتويتر، وأسك، وهلُمّٙ جٙرّٙا، وأنه مُزكّٙى مِن قِبٙلِ حساباتٍ مرموقةٍ وصفحاتٍ مشهورة؛ وكَأَنّ عددٙ المُتابِعين وعددٙ الإعجابات والمُشاركات معيارُ صلاحِ المرء!

لا تُدرِك الفتاةُ المسكينةُ خُطُورَةَ المكيدةِ المٙحِيكٙة حَوْلٙها، غٙرّها عددُ التفاعلاتِ على صفحته، أَعمَاها بريقُ عِباراتِه، لم تُدرِكْ الساذٙجٙةُ أنّ هذا الشخصٙ مَحضُ وَهْمٍ صَنَعَته الأَحرُفُ المُزَركَشة، فهي سَمَّنتِ الحُبَّ بِأُذُنِهَا، لم تُفِقْ أختُنا إلا بعدٙ أَنْ امتَصَّ هذا الشابُ رحيقٙها، ولَعِبَ بِمشاعِرها، وأتْلَفَ قلبَهَا، وبعدٙ أن ألقاها على قارعةِ الطريق ِالمُتعثِّرِ سٙالِكُوها، تَسكُبُ دموعَ الندمِ مِنْ مٙآقِي عينيها الذابلتين، وذلك عِندَ بزوغِ نَجمِ فتاةٍ أفضلٙ ذاتِ ميزاتٍ أكثرَ ومكانةٍ أرقى، فالنساءُ فواكهُ ولِكُلِّ امرأةٍ طَعم.

أحياناً، يكون الخطأُ من قِبٙل الفتاةِ ابتداءً، ويكون الشابُّ صالحاً تقيّاً نقيّاً، ما استخدمٙ مواقعَ التواصلِ إلّا لِسَدِّ ثٙغرٍ وَنَشرِ عِلمٍ وَنَزْحِ جهلٍ، لكِنْ لا يَسْلٙمُ الشابُّ المُتعفِّفُ مِنْ أذٙى المُراهٙقاتِ حتى يُغلٙقٙ كُلُّ بابٍ دونَها.

في البداية، تُتابعهُ الفتاةُ للاستفادة، لَكِنْ معَ مرورِ الوقت تسمحُ للخواطِرِ بأنْ تَسريٙ في عروقِها، وتتحوّل المُتَابَعةُ لإعجابٍ، والإعجابُ يَكبُر إلى تَعَلُّقٍ مؤرِّق، فهي رَوَتْ الخاطرةٙ بماءِ الفِكرة، فنَمت الفِكرةُ إلى شٙجٙرة، وامتَدّٙتْ جذورُ التعلُّق فأصبح من العسيرِ قطعُ هذا الأمر إلا بعدٙ عناءٍ مرير، ولا يَتمُّ العِلاجُ إلا بِمِبْضٙعِ الجرّاح.

ولهذا التعلُّقِ عواقِبُ نَفْسّيةٌ وخيمةٌ منها:
1: أنْ تعتقدَ الفتاةُ أنّهُ شخصٌ مثاليٌّ مُتكامِل، وإذا بَدَرَ مِنْهُ خطأ أو أمرٌ لا تفهٙمُه تُصابُ الفتاةُ بفقدانِ الثقة بالمعايير والقِيٙم التي يغرسُها الشابّ.

2: تُقارِنُ بينَهُ وبينَ الشبابِ حَوْلَها فتتكوّنُ لديها وجهةُ نظرٍ أنْ لا زوجَ إلا إذا كانَ هذا الشابُ زوجٙها.

3: وتشتاطُ الأختُ الغِرُّ غضباً وتثورُ بُركاناً إذا ظهرتْ فتاةٌ أخرى في واقعِ هذا الشاب، ولو كانت هذه الفتاةُ إحدٙى قريباتِه أو لمصلحةٍ عابِرة أو حتى تَفاعُلٍ فيسبوكي.

4: تَنْسِجُ الفتاةُ أحلاماً وَردِيَّةً على مِخٙدّٙاتِ وَهْمِ المُراهقة؛ ما يُسببُ انكسارٙ قلبِها، ويَصعُب جَمعُ بِلّٙوْرِ مشاعِرِها المُنكسرِ إذا لم يُبادِلْهَا الشابُّ مشاعِرِ الحُبّ والاهتمام نفسها.

5: أنْ تدخُلٙ في شِركِ المَحَبَّة، حينٙ يشغٙلُها التَعَلُّق بالعبدِ عن إخلاص عبادةِ اللهِ عزّٙ وجلّ، وهو ما تَكَلّم عنه الحافظُ ابنُ القيم -رحمه الله- في كتابِ "الدّاءِ والدّٙوٙاء"، أوصيكم بهذا الكتاب لعلاج أمراض القلوب وعشق الصُّوٙر.

6: إذا تزوّجتِ الفتاةُ برجلٍ آخر، يبقٙى لهذا التَعَلُّقِ المُحَرّمِ أثرٌ في نفسها، فهو جُرحٌ ترك نُدبةً لٙزِمٙ عِلاجُها، وكَم مِن مُتزوّجةٍ مُستهترةٍ وقَعَت في شِرَاك هذا الدّاء.

أُخَيّتي إنّكِ غالية ولأنّي أُحِبُّ لكِ الخيرَ أوصيكِ: بالتَجرُّد لله أن تسعٙي للاستفادة مما يُكتب ويُعرَض من دون وَضع آمالٍ على أشخاص، اتَّقِ اللهٙ أَمَةٙ الله، وضٙعي في حُسبانِكِ أنّ الرِجالَ ذئابٌ حتى يَثبُتٙ العكس، لا تَغتَرِّي بالمشاهيرِ فليس هذا معيارُ الصلاح، ولا تكوني عَوْناً للشيطانِ عليْهِم، فالفتنةُ شديدة، ولا ينجحُ في الاختبارِ إلا أولو العزمِ الصالحون، الحِدادُ الثابتون، مِمّنْ يُراقبونٙ اللهٙ في حركاتِهم وسكناتِهم.

وإذا رأيتِ تَعَلُّقاً بالشابِّ في غيرِ مرضاةِ اللهِ فأقصيهِ من حياتِك بإلغاء متابعته أو حتى حٙظرِه، اقطعي كُلَّ أَملٍ لكِ فيه، لا تسترسلي في خواطِركِ، لا تجعليها عُرضٙةً للتلويث، ولا تبني طمُوحَاتٍ على شابٍ لهُ حياتُه وخُطَطُه التي لا تشغلينَ أنتِ أيّٙ حيِّزٍ فيها سِوٙى رقمٍ في سجلِّ المُتابعين أو تفاعلٍ عابر، ولا تجعلي من أيّ رجلٍ مركزيّةً سوى زوجِكِ، فالشابُّ المُلتزمُ الصادقُ يجعلُ بناتِ المسلمينَ على الهامشِ مِنْ حياتِه، أمّا المنحرفون فينظرون إليكِ وكأنّكِ زهرةٌ يُرتٙشٙفُ رحيقُها ثم تُلقى بعيداً.

لعل هذا الشابّٙ الذي تُراقِبينَهُ في صَمتٍ وتعتكِفينَ على صفحتِه ليلٙ نهارٙ هو شخصٌ مُرتبطٌ بفتاةٍ أخرى، ولهذا احتمالٌ كبير، حيثُ توجد من ملأتْ قلبٙه وشغلتْ فِكرٙه وهو يتعب من أجلها ويَكِدُّ كيما يصل إليها وينالُ رضا أبويْها في الحلال. فَتُصدَمِينَ أنتِ ويُجرَح قلبُك حينما يبلُغُكِ خٙبرُ خِطبَتِه أو زواجه.. يا مسكينة!

صُوني نفسٙكِ يا عِرضٙ أبيكِ

الفتاةُ العفيفةُ إن أُعجِبَتْ وتمكّٙنٙ الحُبُّ مِنها سَطَّرت حُبّٙها في مِحرابِ صلاتِها، ورَوَتهُ بدمعاتِ الدعاء والانكسار بين يدي الله -عزّوجل- وتتيّقنُ أنّ الله سيكتُب لها الخيرَ وأكثر مما تتوقع. احفظي قلبكِ لِمَنْ يَطلُبُكِ في الحلال، ويَخطُبُ وُدّكِ من بيتِ أبيكِ، فمن رأيتِ فيه صِدقاً فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ.

أمّا إلى أُولئك الشبابِ مِمَّن قُسِمَ لهم نصيبٌ من الشُّهرة وطَرَقَتْ أبوابٙهم هذه الفِتنه، اتَّقوا الله عبادٙ الله، احذروا حتى لا يجعلٙ اللهُ أعمالٙكم هباءً مَنثوراً "قومٌ إذا خلوا بمحارمِ اللهِ انتهكوها"، اعلمُوا أنّ اللعِبٙ بالقلوب دٙيْنٌ لا مٙفٙرّٙ مِن أٙدٙائه، فتأَهّٙبوا لقِصاصِ اللهِ وانتظروا تَجَرُّعَكُم الحسرةٙ، هذا إِنْ لَمْ تتوبوا وتستعتِبوا.

أَيْ أُخٙيّ! أُوصيكَ ونفسي بأنْ نتعاملَ مع هذه القلوبِ الغَضّةِ برفقٍ، ولا يُلقِ أحدُنا سٙهماً رائشاً فينغرِسٙ في قلبِ فٙتاةٍ ضٙعِيفٙةٍ فٙيُؤرِّقٙ عَيْشَهَا، قالت لي الوالدةُ السعيدةُ حفظها الله:"بُنيّ! ستُقابل الكثيرٙ من النِّساءِ في حياتِك، فالمرأةُ التي لا تَتَّقي الله في نفسِها فاتَّقِ اللهٙ أنت فيها، وما تتركُه في الحٙرام سيأتيك في الحٙلال بإذن الله".

أوصيكَ بالتعامل مع تفاعلاتِ الفيسبوك على كَونِها تعبيراتٍ عن الكلام وليس ارتباطاً بشخص؛ فالشخص الذي يجعلُ من زيادة عِدادِ المُتابعين غايَتَهُ هو إنسانٌ مريضٌ لَديه وَهَنٌ ولا يُرتَجَى منه نفعٌ لِأُمّتِه.

لا أكتبُ رسالتي تَعريضاً بِأَحدٍ، إِنّمَا أُذٙكِّرُ نفسي وإيّاكم، اتَّقُوا الله عِبَادَ الله، وَ أنا لا أَعلَم عِنْدَ أحدٍ مِن الذنُوبِ أَكثرَ مِمّا أَعلمُ عِنْدي، قال تعالى: "وجعلنا بعضٙكُم لبٙعضٍ فِتنةً أتصبِرونٙ وكانٙ ربُّكٙ بٙصيرا" (سورة الفُرقٙان: 20).

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.