المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هوشنك حسن Headshot

ومن قال: "لا نستطيع"؟

تم النشر: تم التحديث:

مع استمرار الأزمة السورية ازدادت معها الهوة بين مكونات الشعب السوري بكافة أطيافه وأطره السياسية والدينية، واختلفت الأسباب، منها ما هو مرئي على أرض الواقع، ومنها ما هو غامض تتضح معالمه عبر الوقائع ومجريات الأحداث تدريجياً، ولعل أهمها هو النظام البعثي المتربص بكرسي السلطة، الذي استخدم منذ بداية الأحداث الورقة الطائفية كأحد خياراته لتفتيت بنية المجتمع وتفرقته، ومن جهة أخرى المعارضون للنظام الحاكم، وخاصة بعد عسكرة الثورة، وبروز عدد كبير من الفصائل العسكرية المختلفة، والموجودة إلى اليوم الراهن، هي أيضاً لها نصيب من الممارسات الخادمة في هذا المنوال، فقد قامت فصائل الجيش الحر بأسلمة نفسها كطائفة سُنية من خلال الدعم المشروط من دولة سنية في الخارج، الأمر الذي أدى إلى خلق أعداء لها من ضمن المعارضة ذاتها .

من المؤكد أن الغرب كان -ولا يزال- يريد بث هذه السياسات بين الشعوب والأديان في الشرق الأوسط، وحرب العراق 2003 مثال واضح على ذلك، وربما كانت البداية لتفتيت المنطقة، فرغم سقوط صدام حسين فإنه لم تنتهِ مشاكل العراقيين، وباتت دولتهم مقسمة بين مذهبي السنة والشيعة والقومية الكردية، وذلك بغرض الإضعاف وتشتيت القوة، وتنفيذ سياساتها على تلك المجموعات، ومن ثَم ظهور تنظيم الدولة (داعش) الخلايا النائمة للقاعدة، الأمر الذي أثبت أن الهدف هو القضاء على الإسلام المعتدل، وعلى شعوب المنطقة، وبالسيف الإسلامي (المزمع) الذي تنادي به داعش الإرهابية .

شعوب الشرق الأوسط، ومنذ القدم، كانت شعوباً مترابطة، تقف إلى جانب بعضها البعض، يتحدون ضد الظلم، وينتصرون معاً، فالتاريخ دوّن في صفحاته كيف أن إسقاط إمبراطورية ضحاك (دهاك)، الذي كان قد أسس نظاماً عبودياً ضد جميع شعوب هذه الجغرافيا؛ حيث إن الشعب كان يئن تحت ظلم ضحاك وعبوديته التي تزداد كل يوم، وبتلاحم شعوب المنطقة وبقيادة كاوا الحداد استطاعوا إسقاط تلك الإمبراطورية، وبناء حياة جديدة، حيث إن الجميع يعيش جنباً إلى جنب متحابين مترابطين .

بالعودة إلى الأزمة السورية نلاحظ وضع الشمال المختلف عن المناطق الأخرى، فهول المعارك أخف، والدمار أقل، بالمقارنة مع المناطق السورية الأخرى، بغضّ النظر عن القوى الحاكمة في هذه المنطقة، لكن الشعوب القاطنة هنا من الكرد، والعرب، والسريان، والآشوريين والتركمان يعيشون إلى جانب بعضهم البعض، وحتى لا ندّعي بأن الحياة هنا كمدينة أفلاطون الفاضلة، بكل تأكيد سيكون هناك بعض المواقف والأحداث التي تدل على الذهنية الطائفية التي تربينا عليها من نظام الأسد في المدرسة البعثية، مما يؤثر سلباً حتى على الأماكن العامة، كالحدائق والأسواق...
إلخ.

في كل ظلام هناك بارقة أمل، تلك القطعة المختلفة الزكية التي لا تكون كالآخرين، وتريد أن تكون مختلفة، وشعوب الشمال السوري وخلال تجربة الـستة أعوام من الأزمة السورية أثبتت أنه بإمكان الشعوب العيش جنباً إلى جنب، حامين الوطن، ينتصرون معاً، ويتقبل بعضهم بعضاً، بغض النظر عن الانتماء، والقومية، والطائفة، والدين؛ لذلك كل من تحدث بأن السوريين لن يستطيعوا من اليوم فصاعداً العيش مع بعضهم البعض، وسوريا تتجه نحو التقسيم، تجربة الشمال تقول: لا ونستطيع .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.