المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

حسام شبيب Headshot

الاحتلال التام أو الموت الزُّؤام

تم النشر: تم التحديث:

نعم، لقد قرأتُها بطريقة صحيحة لا لبس فيها، هو الاحتلال ما أقصده وأهبه هتافاتي وحنجرتي المتواضعة، بعد 60 عاماً أو تزيد قضيناها في كنف عساكر لا يرقبون في مصري إلّاً ولا ذمة.

ونحن في المرحلة الابتدائية كانوا يصوِّرون لنا غول الاحتلال ذا الأنياب البارزة بمصاصي دماء الشعب الغلبان، لماذا؟ لأنه قتل بضعة أشخاص في دنشواي.

الآن، أجدني أصيح فقط.. فقط، لقد قتل أبطالنا آلافاً مؤلفة من المصريين في الأعوام الخمسة الأخيرة فقط، في التحرير وماسبيرو والعباسية ورابعة ونهضة ورمسيس، حتى إن كل ميادين مصر الكبرى أصبحت علامة على مذبحة من مذابحهم، فضلاً عن الحسابات القديمة.

هذا عن الإنسان.. أما عن الأرض، فكانت مصر تشمل مصر والسودان وغزة وسيناء، تقلصت في عهد العسكر إلى مصر فقط من دون سيناء، من دون تيران وصنافير.

لقد حافظ المحتل الغاشم على بلادي أكثر مما حافظ عليها اللواءات أركان الحروب، الذين لا تتوجه رصاصاتهم إلا إلى صدر الوطن.

في التنمية، كانت إنجازات الاحتلال: الجامعة المصرية، وبنك مصر، وأول سكة حديدية في إفريقيا، بينما الآن نجاهد لنفتتح مصنعاً للأساتك أو فانوس رمضان على أن يكون من النوع الذي يغني "تسلم الأيادي".

في السياسة، كانت هناك أحزاب ودولة مدنية وانتخابات نزيهة وصحافة حرة.. الآن، حتى الصحافة المدرسية مراقبة! فضلاً عن حجب مواقع تجعل بيننا وبين العالم مسافة آلاف من الأميال الفكرية.

على مستوى الإبداع، أخرج لنا الاحتلال أم كلثوم، وسيد درويش، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ومحفوظ، وزويل، وعبد الوهاب، ومحمد رفعت، وعلي مشرفة، ومصطفى إسماعيل، ومحمد فوزي، والمنشاوي، وطه حسين، والعقاد، والمازني، ويوسف بك وهبي، وأنور وجدي، والريحاني، الضظوي وعبد الكريم صقر.. إلى آخر قوائم العظماء الذين صنعوا تاريخاً مصرياً مشرفاً في كل المجالات، بينما نرى اليوم مسخاً في كل المجالات.

نعم، كان المستعمر أرحم ببلادنا منا بأنفسنا، وصدق الشيخ الغزالي عندما قرأ الواقع المر مبكراً إبان جلاء المحتل "الغاشم" عن مصر في الخمسينيات. يصفع عقولنا الشيخ بمقولة بدت غريبة يومها، لتتولى الأيام سبر أغوارها ورسم تفاصيلها الدقيقة واقعاً نحياه يوماً بعد يوم.

قال الشيخ الإمام: "اليوم ذهب الإنكليز الحمر وبقي الإنكليز السمر".

لم يكن أشد المتشائمين تطرفاً يتوقع أن إخوتنا "الإنكليز السمر" سيكونون أشد الناس عداوة للمصريين.

لو أعطيت ملك مصر وأنهارها التي تجري لأحدهم وطلبت منه أن يفسد فيها ولا يصلح وأطلقت يديه في عرض الوادي- لما وسعه أن يُحدث فيها أكثر مما أفسده الإنكليز السمر.. تخلف في جميع الأصعدة؛ في التعليم، في الصحة، في دخل الفرد من الناتج القومي، مع انتشار البطالة والفقر والجهل والمرض.

فإذا ذهبت تُناقشَ أحدَ دولجيّتهم (المدافعين عن شبه دولتهم المزعومة كما حدث كبيرهم)، انبرى يحدثك عن الوطنية، يملأ بها فاه، بينما أنا أستطيع أن أقسم بأن وطنه الأصيل هو حسابه البنكي!

نعم، لقد ترك لنا الاحتلال وطناً تمت تصفيته على مدار 60 عاماً؛ تصفية الإنسان والأرض والوجود الدولي والثقل الإقليمي.

وطن لا قيمة فيه للعلم ولا مكان تحت شمسه للحريات، وطن -كما قال المبدع جمال حمدان- يتلاحم فيه الحاكم مع الأرض؛ ليصبح العيب في ذات الحاكم انتقاصاً من الوطنية، وتتم تغذية الشيفونية بشكل مَرضيٍّ؛ حتى يصبح الوطن هو الأهم في العالم، ليليق بالحاكم الفرد الصمد.

أيها المحتل الغاصب الشرير نعتذر لكم عن إخراجكم من ديارنا نعتذر لكم عن مقاومتنا لكم نعتذر عن مظاهراتنا ضدكم نعتذر عن هتافنا الخالد الاستقلال التام أو الموت الزؤام أعتقد أنه قد آن الأوان لنقف مع النفس وقفة أو وقفات فلم يجلب لنا استقلالنا إلا الخراب ولم يجلب لنا أولياؤكم إلا الشتات تعالوا احكموا بأنفسكم بدلاً من وكلاء بلا عقل يُدرك أو قلب يحنو تعالوا فليس في القاع متسع للسقوط الاحتلال التام أو الموت الزؤام

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.