المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام غنيم Headshot

الحركة الكشفية والأمان النفسي

تم النشر: تم التحديث:

في الحرب العالمية الثانية، وأثناء الاحتلال الياباني للصين، قام اليابانيون بجمع المدنيين من غير الصينيين المقيمين هناك في معتقلات، وكان من بين الأسرى مجموعة من الأطفال والمدرسين الذين كانوا في إحدى المدارس الخاصة، تم وضعهم في معتقل لأسرى الحرب يسمى معتقل "وايشان".

كان الجميع يعيشون ظروف الحرب الضارية، وبلغ الأمر من القسوة لدرجة الموت من شدة الجوع والخوف من أن يطالهم مصير الصينيين من قتل وتعذيب واغتصاب.

تروي لنا جيني هامبتون "Janie Hampton" القصة كاملة في كتابها "كيف استطاعت فتيات الكشافة أن يفزن بالحرب" "how the girl guides won the war" من خلال مقابلتها مع بعض الناجين من المعتقل، اكتشفت أنه في فترة الاعتقال قام المدرسون بتطبيق النظام الكشفي كاملاً طوال سنوات الاعتقال، قاموا بتحويل أشغال المعتقل الشاقة المفروضة عليهم كي يبقوا على قيد الحياة، إلى ألعاب ومسابقات يتنافس فيها الفتيات، بل ويشعرن ببهجة الانتصار إذا فازت إحدى المجموعات وانتهت من أداء أعمالها أولاً.

2017-01-10-1484045221-9843458-girlguides.jpg

"الكشاف باش" -هي أحد بنود القانون الكشفي التي يحفظها الكشاف ويعيشها ويطبقها في حياته اليومية، الكشاف أخ لكل كشاف، الكشاف يقابل الشدائد بصدر رحب.

تقول إحدى الناجيات من المعتقل التي كان عمرها 10 سنوات إن الأساتذة والقادة كانوا يتمسكون بأدق التفاصيل من التقاليد والأعراف الكشفية، كانوا يحرصون على آداب الطعام والترتيب والنظافة، وفي نهاية كل يوم كانوا يتجمعون حول نار السمر وينشدون الأهازيج والأناشيد التي تعينهم على الثبات وتبعث فيهم روح المحبة والسلام في قلوب الجميع رغم ضراوة الحرب وقساوة المعتقل.

لكن ما الذي جعلهم يتمسكون بهذه العادات والمبادئ؟ في الحقيقة أن نظام الطلائع أو نظام المجموعات الصغيرة في الحركة الكشفية يقوم على مفهوم الأدوار بمعنى أن لكل فرد في المجموعة أو الطليعة دور -سواء كان عريف الطليعة أو المساعد أو أمين السر أو المسامر- وهذا الدور مهما كان صغيراً فهو هام وضروري لكي تنجح الطليعة وتنافس الطلائع الأخرى.

إن التدريب المبكر على مفهوم المسؤولية عند الطفل يجعله يدرك منذ نعومة أظفاره أن على عاتقه دور ومهمة يجب أن يقوم بها، سواء كان ابناً أو أخاً أو طالباً، فيجب عليه أن يقوم بالواجبات المتعلقة بهذا الدور، فإن حققها فقد حقق النجاح لأسرته أو لفصله ولمدرسته تماماً كما أن أداءه لدوره في طليعته ضروري لنجاح الطليعة.

استمر الاعتقال في معسكر "وايشان" لمدة 4 سنوات حتى انتهاء الحرب، وتم إنقاذ جميع الفتيات والمدرسين الذين استطاعوا البقاء على قيد الحياة بتمسكهم بأداء أدوارهم التي لم تفرضها عليهم أي جهة أو إدارة أو نظام، هو فقط ما تربوا عليه من مبادئ جعلتهم يقومون بأدوارهم؛ لينقذوا أنفسهم ويزرعوا الأمل حتى تمكنوا من الحفاظ على الشعور بالأمان النفسي إلى نهاية الحرب.

اليوم وبعد أكثر من 70 عاماً على نهاية الحرب العالمية الثانية تقوم الفرق والمجموعات الكشفية في وطننا العربي المنكوب بنفس المهمة ونفس الدور، هناك عشرات المجموعات الكشفية في مخيمات اللاجئين السوريين ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا وتركيا ولبنان والأردن؛

حيث يقوم الجميع بدوره على الوجه الأتم، يتعلمون مهارات وفنوناً كشفية، ويقومون بأعمال تطوعية ومبادرات إنسانية ومشاريع وبرامج تنموية، تساهم في خدمة ونهضة مجتمعهم الذي يعيشون فيه، وفي الوقت ذاته تساهم في تنمية قدراتهم وتمكنهم من ممارسة واكتساب العديد من المهارات الاجتماعية والإدارية الضرورية لبناء مستقبل مشرق وغد واعد.

يا ترى ما السر الذي جعل الحركة الكشفية تستمر طوال هذه السنوات وساهم في انتشارها الجغرافي الواسع في كل أنحاء العالم؟ السر أنها حركة تطوعية يقف وراء نجاحها العديد من القادة الذين يبذلون أوقاتهم وجهودهم دون انتظار أي مقابل سوى الأجر من الله، والراحة النفسية والسعادة التي تغمرهم عندما يسهمون في تغيير حياة الآخرين للأفضل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.