المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام بن سعيد الغنيمي Headshot

شهر الله المحرّم في القرآن الكريم

تم النشر: تم التحديث:

ونحن في ضيافة هذا الشهر المحرم العظيم، فاتحة السنة الهجرية الشريفة، والمسماة أيضاً بالسنة العربية، أو السنة القمرية، يطيب لنا الحديث عن ذكره في كتاب الله العزيز بتأمُّل لا بتفسير، وبتدبّر لا بتأويل.

فالقرآن الكريم ليس كتاب تشريع فقط؛ بل كتاب أخبار، وقاموس لغة، وموسوعة ثقافة، بشرط أن تفهم مُراده جيداً. نفتّش فيه عن حلول لمشكلاتنا وأزماتنا، وكل شيء يعزب عنّا، هذا الذي لم يفرِّط في شيء ذكراً، ولم يترك شيئاً جهلاً وإهمالاً، قال ربي:
"وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38).

ويبدو أن كلمة "الحرام" من جملة الكلمات التي تحتاج لقرينة حتى يتضح لك معناها في الآيات، فقد تأتي معها كلمة "الشهر" + الحرام؛ لتفهم أنه يعني الأشهر الأربعة المحرمة، وقد تأتي معها كلمة "المسجد" + الحرام، فينصرف ذهنك للمسجد الذي يحتضن الكعبة المشرفة بمكة.. إلخ كثير.

وقد وردت كلمة "حرام" بألفاظها المتعددة نحو 26 مرة، وأكثر سورة ذِكراً لهذه الكلمة هي سورة البقرة، نحو 10 مرات.

كما أن الآية الثانية في سورة المائدة هي الأكثر تكرراً لكلمة "حرام".
والأشهر الحُرُم الأربعة كما ذكرت سورة التوبة هي:
1- رجب. 2- ذو القعدة. 3- ذو الحجة. 4- المحرم.
والحرام لغةً هو عكس الحلال، وجمعه حُرُم، ولذلك تجد قول الله تعالى: "فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.." (التوبة: 5).
والحَرَمانِ عند المسلمين هما: مكة، والمدينة.

والمحلل والمحرم هو الله تعالى وحده، فلا يجوز لأي كان أن يُحلل ويحرّم من تلقاء نفسه حتى الأنبياء -عليهم السلام- إلا بوحي الله تعالى، وسورة التحريم تتصدر هذه المعاني جلياً: "يَا أَيُّهَا النَّبِي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (التحريم: 1).

والحرام أو المحرمات عند أهل العلم هي أقل من الحلال، وسُمّي الشهر المحرم بهذا الاسم؛ لأن العرب قديماً لا تقاتل فيه تحريماً للدماء سفكاً، وللأرواح إزهاقاً، فهو معروف ومعظّم معهم قبل البعثة، والنَّاس يحترمونه بشدة، وفي الإسلام أصبح بعد ذلك بشهر الله المحرم، أو أشهر الله المحرمة.

وقال بعض العلماء: إنه لو وردت كلمة "الشهر الحرام" في الآيات، فإنها تعني الأربعة أشهر كلها، التي ذكرناها أعلاه، وليس شهر محرم وحده.

والبيت الحرام كان وما زال محرّماً، وله أحكام خاصة وشديدة جداً لمن تُسوّل له نفسه بهتكها، فيجب على المسلم تعلمها كي لا يقع فيها جهالة؛ لأن الكفارات لازمة عليه، ومن ذلك منع دخول غير المسلمين فيه، وعدم ترويع الطير والحيوان؛ بل وصيد البر حال الإحرام، فقد وجب عليه فدية مذكورة بشروطها.
وعدم جواز أخذ اللُقطة فيه؛ بل تركها أولى.. إلى آخره من أمور كبيرة كالقتال وسواها، فكما أن الحسنات فيه تتضاعف، فقد قيل إن الذنوب أيضاً تتضاعف.

وقد جعل الله تعالى حرمه "حلاً" ساعة من نهار لنبيه صلى الله عليه وسلم فقط، يوم فتح مكة، ثم أعاده الله تعالى حراماً وحرماً آمناً يتخطف الطير والنَّاس من حوله آمنين مطمئنين.

ونتأمل في الحرام لحظة، فنجد أن الناس تنفر من ذكره وهم يقعون فيه، وينشدون الحلال، وهو الأكثر في الأرض ويهربون لسواه!

ويتوعدنا الله -تعالى- بمن ينتهك حرماته عز وجل، ويُحذّرنا كثيراً بقوله: "ولا تقربوا" عوضاً عن "لا تقعوا"، ويأمرنا بقوله: "وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ.." (الأنعام: 120).
ولكنك تجد أكثر الناس يتملصون، ويتنصلون، ويُراوغون، ويُخادعون، ويتأوَّلون كيما يأخذون من الحرام غَرفة، ومن قعره رشفة، ومن حيزومه حسوة!

سبحان الله، أملّوا الحلال؟! أسئموا الصافي والنظيف من رزق الله؟!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ".. إنَّ الحَلالَ بيِّنٌ، وإنَّ الحَرامَ بيِّنٌ، وبينَهمَا مشْتَبَهَاتٌ لا يعْلَمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمنْ اتَّقَى الشبهَاتِ استبرَأَ لدينِهِ وعِرضِهِ، ومن وقعَ في الشبهَاتِ وقعَ في الحرامِ، كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى، يوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، ألا وإنَّ لكلِ ملِكٍ حِمى، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محَارِمُهُ..".

ثم يأتي الذين انتهكوا حرمات الله نادمين، خانعين، خاشعين، منكسرين، مخذولين.
وليس العيب في التائب، وإنما فيمن أدمن على الحرام، فعاد إليه سكراناً نديماً لا نادماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.