المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام بن سعيد الغنيمي Headshot

نفسك غالية

تم النشر: تم التحديث:

قال الله تعالى: "وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ" (يوسف: 20).

هذه آية عظيمة لنبي كريم ذكره الله تعالى بالصدّيق والمُحسن -عليه وعلى أبيه السلام- غار منه إخوته وحسدوا حبّ أبيهم له خاصة، فكادوا له وخططوا ليحكموا عليه حكماً استثنائياً بقسوة!

يزداد استيعابي لهذه الآية وتأخذ قيمة أكبر وأكبر عند تلاوتي أو استماعي لها، خاصة في هذه الأيام التي لا يعجب الإنسان عندما يرى الإخوة يحسد بعضهم بعضاً فحسب -كمثل ما جرى لسيدنا يوسف عليه السلام- وإنما تعمد القتل والسرقة والنهب نهاراً جهاراً، وأكل أموال اليتامى والأرامل ظلماً وبهتاناً، وكذلك يفعل الظالمون في كل عصر ومصر.

زمن عجيب حقاً، فقد أخرج لنا أضغان الشر من البشر، وحمّلنا أوزاراً من زين القوم فقذفناها وكذلك فعل سامري العصر!
فما كنا نخشاه في القصص والأساطير الخرافية، قد رأيناه رأي العين بحلوه ومرّه! وما خفي كان أعظم.

وصدق الشافعي حين قال:
نعيب زماننا والعيب فينا ** وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ ** ولو نطق الزمان لنا هجانا

ما قلت ذلك إلا لأن البشرية كانت تطمع في نعمة تخدمها وتريحها وتسهّل لها شؤون حياتها، وبعد مرور الزمان وتعب الأجداد من الانتظار، ساق الله تعالى لنا نعمة السيارة والطائرة والقطار وخلقاً متجدداً ليخدم البشرية وزينة لها.. وكما قال سبحانه في سورة النحل: (ويخلق ما لا تعلمون).

فبينما كنت أقود سيارتي متوجهاً إلى العمل في هذا الصباح المُشرق الجميل، مستمتعاً بذكري لربي، وصوت الهواء يداعب أذني، متوجهاً إلى إنجاز جديد يسطّر في سجلي الوظيفي، وخدمة متجددة لتطوير عملي؛ إذ بي أرى أحد الذي باعوا أنفسهم بثمن بخس "شهوات معدودات".. ويا ليتها ساوت الدراهم حتى.. شبّهته بإبرة ونحن كقطعة قماش خائفة مرتعشة، في يد خياط مبتدئ، والذي طالما أتلف قطعاً كثيرة ورماها في القمامة.

فمرة يتخبّط يمنة في الشارع، وتارة نحو اليسار، وكأنه كان يبحث عن فراغ في وسط ازدحام المركبات ليمر من خلاله! صِرنا وكأننا في ملعب كرة قدم وليس شارعاً مرصوفاً!

في لحظة سريعة خطرت ببالي هذه الآية العظيمة وهي تحكي قصة سيدنا يوسف الصدّيق -عليه السلام- وكيف رماه إخوته بالبئر وتلقفته أيدي السائرين في سفرهم وبيعهم إيّاه بثمن بخس وكانوا فيه زاهدين غير مغالين في سعره. ولعلهم ظنّوا أن تحصيله كان من غير عناء، فكذلك طمعوا في الربح السريع! استرخصوه لينالوا تلكم الدراهم، التي لو نطقت لشهدت له بكل فضل وكرامة واصطفاء على الناس العاديين.

كان الوقت صباحاً كما أسلفت، فلعلّ هذا المتهور يسوق نفسه المتهكمة للعمل ويدفعها دفعاً ليصل في الوقت المحدد، بعد ليل طويل بالسهر.
ولكن السؤال هنا: أي وقت هذا الذي يريد بلوغه؟ هل لتحطيم رقم قياسي جديد، أم لتحقيق كلمة "نجا من حادث اليوم، ليموت بالغد"؟
يا ترى ما نوع الإنتاج الذي سينتجه بتلك النفس المروّعة التي روعتنا معها، أم على مَن سيشرف من موظفين، وهو أشرف على ترويع سلامة البشر في الشارع مع مرتبة الشرف؟

وأي راحة وبسط وجه سيجلب لزملائه والمراجعين البسطاء، إن كان قد صدم أكثر منهم في ذلك الميدان المرصوف "بالقار"؟

وأخيراً، أي خدمات وأجهزة سيستخدم في عمله، بعدما أساء استخدام نعمة السيّارة التي نقلته بكل راحة -أو بمعنى آخر، المفروض أن تنقله بكل راحة وسلامة- إلى كل مكان أراد؟!

يا أخي: نفسك غالية فكيف تبيعها بحادث سير مروّع، وتبيع ما لا تملك بيعه من أرواح البشر وروحك معهم؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.