المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام بن سعيد الغنيمي Headshot

ذِكرُ كلمة (الحكمة) في القرآن الكريم

تم النشر: تم التحديث:

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ 269) [سورة البقرة].

الحكمة، وما أدراك ما الحكمة؟ إنها مطلب العُقّال في كل الأزمان. هي ليست كأسطورة العنقاء فلا تُتحصل؛ بل مُيسّرة بأمر الرزاق الكريم المِفضال. ولكن، فلنتأمل معانيها؛ لأن لها معاني عدّة، وإن اشتُهر معنى واحد، ولكن حق القرآن أن يؤخذ كُلّه لا بعضه.

وردت كلمة "الحكمة" مع أو دون الألف واللام في القرآن الكريم 20 مرة؛ كمثل قوله سبحانه:

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [سورة البقرة: 129].

فوجدنا أنها قد اقترنت بكلمة "كتاب" في 10 مواضع في آيات شتّى؛ منها قوله سبحانه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) [النساء: 54].

وحظ نبينا وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالإشارة مع (الحكمة) هو في 6 مرات.

ولا غرو في ذلك؛ لأن هذا ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام أن يرزقهم نبياً يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم.

فما معناها الحقيقي يا ترى؟! ولماذا نجدها كثيراً تُقرن بكلمة "كتاب"؟!

الحكمة في العربية تأتي بمعان:

1- إتقان الأمور، قال ابن منظور: "ويقال لمَنْ يُحْسِنُ دقائق الصِّناعات ويُتقنها حَكِيم".

2- بمعنى المنع: وفي الحديث "إنَّ من الشعر لحُكْمة"، قال ابن حجر: "وقيل أصل الحكمة المنع، فالمعنى: إن من الشعر كلاماً نافعاً يمنع من السفه".

3- وضع شيء في موضعه.

4-
القول السديد والعمل المستقيم، قال ابن قتيبة وغيره: "الحكمة هي العلم والعمل به، وهي أيضاً القول الصواب، فتتناول القول السديد والعمل المستقيم الصالح".

5- العلم: قال ابن منظور: "الحِكْمَةُ من العلم، والحَكِيمُ العالِم".

وللعلامة إبراهيم الزجّاج رأي في تفسيره، فقال: "(الحكمة) فيها قولان:
1- قال بعضهم هي: النبوة.
2- ويروى عن ابن مسعود أن الحكمة هي القرآن، وكفى بالقرآن حكمة؛ لأن الأمّة به صارت علماء بعد جهل، وهو وصلة إلى كل علم يقرّب من اللّه عزّ وجلّ، وذريعة إلى رحمته؛ لذلك قال الله تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً)".

ولكن، ماذا لو اشتركت -كما قلنا- كلمة الكتاب والحكمة، هل سيظل المعنى كما قال الزجّاج؟

قال ابن عطية في تفسير (الكتاب) من قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ) [سورة المائدة: 110]
"والكتاب في هذه الآية مصدر (كتب يكتب)؛ أي علمتك الخط، ويحتمل أن يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك، ثم خص بعد ذلك التوراة والإنجيل بالذكر تشريفاً، والحكمة هي الفهم والإدراك في الأمور الشرعية".

هذا بالنسبة لعيسى عليه السلام، ولكن إذا ذُكر الكتاب بالإشارة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الشيخ الشعراوي فسّرها فقال: "... والحكمة أيضاً هي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصداقاً لقوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [سورة الأحزاب: 34]".

وجميل ما قاله ابن عاشور: "فالحكمة هي المعرفة المحكمة؛ أي الصائبة المجردة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم. ولذلك، عرّفوا الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية، بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطئ في العلل والأسباب، وهي اسمٌ جامعٌ لكل كلامٍ أو علمٍ يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغير".

والحكمة، كما هو معلوم، هي سلاح الداعية المسلم في دعوته وفق أمرٍ ربَّاني واضح جلي؛ (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [سورة النحل: 125].

اللهم إنَّا نسألك القرآن والحكمة في كل الأحوال والأزمان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.