المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام الدلوفي Headshot

هل يدافع فعلاً اليسار عن العمال؟

تم النشر: تم التحديث:

علمونا في المدرسة عندما كنا صغاراً وعقولنا لا تؤهلنا فكرياً وفلسفياً للنقد والتساؤلات أن المجتمع منقسم إلى طبقات اجتماعية معادية، ودائماً في صراع، وأن كارل ماركس وفريدريك إنجلز هما اللذان أكدا الانتشار العالمي لهذا المفهوم، وأن الطبقة الحاكمة في المجتمع الرأسمالي هي الطبقة الرأسمالية، حيث إنها تسيطر على ما يسمونه هم البروليتاريا أو الطبقة الكادحة.

وبعد هذه النظرية وفي القرن التاسع عشر والقرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، تم الاعتماد على تيارات سياسية يسارية مثل المذهب النقابي والمذهب الشيوعي، وتكونت أحزاب يسارية هي التي تناضل من أجل تحسين الظروف المعيشية للعمال وحماية حقوقهم من الطبقة الرأسمالية.

عدت بعد كل هذه السنين للتساؤل: هل تدافع فعلاً الأحزاب اليسارية والنقابات عن العمال وتحمي حقوقهم؟

لو جمعت كل اليساريين عبر العالم وسألتهم هذا السؤال، الذي مفاده: مَن يحمي العمال؟ أعتقد وبنسبة عالية من التأكيد أنك ستحصل على جواب واحد هو أن الأحزاب اليسارية والحكومات الاشتراكية هما مَن يحميان العمال.

وهذا جواب خاطئ، يمكن اعتباره صحيحاً في بعض الحالات الاستثنائية جداً فقط، وهي حالات خارج إطار تكافؤ الفرص والتنافس.. كيف ذلك؟

الأحزاب تحمي قسمين من العمال فقط: القسم الأول ويتكون من الأعضاء الذين ينتمون لهذه الأحزاب والذين يملكون وظيفة.

والقسم الثاني الذين يسيرون هذه الأحزاب، أي يدافعون عن أنفسهم من داخل هذه الأحزاب.

وهذا نلمسه عند أحزاب مغربية يسارية تدعي أنها تدافع عن العمال وحقوقهم، مثل الحزب الاشتراكي المغربي، الذي حصل كاتبه الأول على بقعة أرضية من الدولة بثمن رمزي، كما توسط لابنته للحصول على وظيفة عمومية، وأمثلة أخرى لا تُعد ولا تُحصى.

وماذا عن الحكومة؟ وهنا أقصد الحكومة الاشتراكية وليس الحكومة الليبرالية أو الحكومة المحدودة التي لا يحق لها التدخل في الاقتصاد.

الحكومة هي الأخرى تحمي بعض العمال فقط وليس الكل، تتخذ الحكومة الاشتراكية إجراءات بموجبها تقوي الأحزاب والنقابات وتحدد الحد الأدنى للأجور.

وهذه كلها إجراءات وسياسات اشتراكية فاشلة تحمي البعض من العمال فقط، وتشجع على عدم تكافؤ الفرص.

تحمي العمال الذين يتلقون أجوراً عالية والعمال الحكوميين وليس العمال الذين يتلقون أجوراً صغيرة ويسعون لتطوير أنفسهم.

ونجد العمال أيضاً، وفي بعض الظروف، محميين من طرف مشغلين، لكن ليس مشغليهم، وإنما من طرف مشغلين لا يعمل لديهم هذا العامل.

والإنسان الذي لا يمكنه العمل إلا لدى شخص واحد لا يتوافر على أية حماية. المشغلون الذين يحمون العامل هم الأشخاص الذين يحبون أن يشغلوه.

والحماية الحقيقية التي يحصل عليها العامل هي وجود أكثر من مشغل محتمل، أي تنوع وحرية في اختيار الشغل، هذا هو ما يوفر له التعدد والاختيار، وهو ما يمكنه من الحصول على قيمة خدماته بالكامل، والتنافس إذن هو مَن يحميه، والسوق الحرة كنظام اقتصادي هي من توفر له ذلك، وتضمن له تنوعاً لمصادر التشغيل، وتوفر له الحماية الفعالة.

إذن في جميع المجالات ما يحمي العامل وما يحمي المشغل وما يحمي المستهلك هو دائماً وجود التنوع والبدائل.

وبالطبع جميع الأفراد في مجتمعنا التي تريد الحصول على مركز تحظى فيه بامتيازات، يجب عليها أن تحاول أن تحمي نفسها من منافسة الآخرين لها.

الواقع هو أن العمال يحاولون حماية أنفسهم من منافسة عمال آخرين لهم عن طريق خلق نقابات وإقامة ترتيبات يستطيعون من خلالها تحديد عدد الناس الذين يمكنهم الحصول على بعض أنواع الوظائف.

والمنتجون كذلك يحاولون الحصول على الحماية ضد المنافسين عن طريق خلق منظمات مشغلين لتشكيل أقطاب أحادية واتحادات احتكارية أو عن طريق جعل الحكومة تفرض رسوماً جمركية أو قيوداً على الواردات، أو حصولهم من الدولة على امتيازات خاصة من أنواع أخرى.

إذن الحقيقة المرة هي أن جميع مكونات المجتمع من أفراد ومؤسسات متشابهة، وتريد تجنب المنافسة، ومع ذلك المنافسة هي الشيء الذي يحمينا بطريقة فعالة، مهما كان شكلنا هي تحمي العامل عن طريق توفير فرص بديلة للعمل، وتحمي المشغل عن طريق توفير عملاء بدلاء، كما تحمي المستهلك عن طريق توفير منتوجات بديلة وبجودة عالية.

إذن الخلاصة هي أن الفكر اليساري فكر ضد الحرية والتنافس، فكر تم تحويله إلى دين نهائي مستبد ومغلق وجامد ضد التطور، يتأسس على الإيمان لا على الدراسات والتجارب، فكر يقال عنه إنه يدافع عن العمال وحمايتهم من استغلال الطبقة الرأسمالية، لكن الواقع أنه فكر ضد حرية العمال والحريات الفردية والديمقراطية بصفة عامة، يختزل الشعب في طبقة عمالية، ثم في حزب واحد، يصادر المجتمع ويحكمه، ويسلب الأفراد حريتهم، ويمارس الاستبداد عليهم.

وعليه أؤكد كما أكدت التجارب السياسية الناجحة أن الطريقة الحقيقية لكي يستمر العامل في الحصول على حماية هي أن نحافظ على وجود المنافسة والسوق الحرة كنظام وحيد لا يستطيع غيره أن يُشبع في الفرد خصائصه الطبيعية، ويحمي حقوقه، ويمتعه بالحرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.