المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام سراي Headshot

صناعة الحياة.. لا تبالِ

تم النشر: تم التحديث:

أه‍م تعويذات الحياة تتجسد في عبارة "لا تبالِ"، فما أكثر الهوامش والفواصل والتفاصيل الغثّة المملّة في حياتنا، ولن تمر عليك الأحداث حتى تتقاذفك بصغار القوم عقلاً وحِلماً، وهم كثير بين الناس، ولكن تواري سوءاتهم لباس زاهية وأحاديث مزخرفة، وبين شرايين أفئدتهم، تتمدد التفاهة والكِذبة والعُجب والحسد، ستعرفهم دون عناء، ضجيجهم يملأ الأرجاء، مُر عليهم و"لا تبالِ"، وقل سلام قولاً من رب رحيم.

وتأمَّل في صغيرات الجسد كم فيها من السؤدد والهمم، و"لا تبالِ" بضخام المناكب، فالنمل ضرب به المثل في العمل والعطاء، كائنات مجدة مجتهدة تصل الليل بالنهار، لا تكل، وتمر على البشر كأنها لا تحس لهم ركزاً، فتبني صرحاً مجيداً، وانظر إلى النحل، خلقٌ عجيب وذكاء رهيب، طعامه رحيق الزهور، وعطاؤه عسل مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس، وإذا نظرنا إلى هذه الأمم كما وصفها القرآن فستجدها "لا تبالي" بأرقام البورصة ولا أسعار برميل النفط، ولا بالرئيس الأميركي الجديد، ولا بآخر سيارة ألمانية، ولا تسمع لأقوال الأعداء ولا تعي مدح الأصدقاء، إنها لا تحسن غير تحقيق الأهداف التي خُلقت لأجلها، وكذلك تجلت العظات في أصغر الكائنات.

الناس لن يضروك بشيء لم يكتب عليك، فأقسى ما يستطيعون أنهم سيقولون، والكلام لا يصدع الجدران ولا يرفع الدور والقصور، ولا يوقف حركة الكون، ولا يحجب ضياء الشمس، ولا يغيّر في أصل الأشياء وحركاتها، دعهم يتكلمون ويضحكون ويزمجرون، وركز في بناء سفينة نجاتك، كما فعل نبي الله نوح، وقل لهم في قلبك كما قال "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون"، إن البشر مجبولون على توقير الهوى، وتقديس من طغى، ونبذ من نهى عن المنكر وأمر بالمعروف، فلا يغرنك تجمعهم في الضلالة، وتفرقهم عند الحسنى، فلا تتعجب إذا حاربوك لخير فيك، وانتقصوك لكمال في خلقك، واجتمعوا عليك؛ لأن الله اصطفاك وخصك بما نزع منهم، الناس في غالبهم أعداء الاختلاف، إنهم يريدونك أن تشبههم، فنجاحك يذكرهم بفشلهم،

وأمانتك تذكرهم بخيانتهم، وكرمك يذكرهم بجشعهم، "فلا تبالِ" واعتصم بالله، وجدد ثقتك به، فإذا حزت الخطوب واشتدت الكروب، وجمع لك الناس، فتذكر قوله تعالى: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، وقال موسى بن عمران وقد جمع فرعون كيده "إن معي ربي سيهدين"، فأولوية الأولويات أن تنزع يدك من الناس، وتضعها في إرضاء من خلق الناس.

لا تبالِ إذا لم تأخذ جائزتك التي تستحقها، ولم ينتشر علمك كما سعيت، ولم يعرف البشر قيمتك كما تعرفها أنت، فحياة المرء الحقيقية تبدأ بعد موته، وكم من الجهابذة الذين نكرهم قومهم وسخروا من علمهم، فأنصفتهم الأجيال المتعاقبة، في مدينة برون النمساوية ظهر راهب يدعى غريغور يوهان مندل، قضى حياته يراقب ويدرس حركة النباتات وحياتها، وأرسل تقاريره إلى علماء وجامعات أوروبية، لكنها لم تحظَ بأي اهتمام، توفي مندل سنة 1884 وهو نكرة، وبعد مرور أكثر من أربعين عاماً، سجل مندل كمؤسس لعلم الوراثة، وفيلسوف الإسلام المعاصر مالك بن نبي لم يستوعب جيله نظرياته وتفسيراته؛ بل حاربه أبناء جلدته وأنصفه التاريخ، وساهمت كتاباته في إنارة الطريق، فكتب على أعدائه الفناء، ولاسمه الخلود، لا نعرف عبر التاريخ من أعدم غاليلو، لكننا نحفظ لغاليلو علمه وعبقريته.

لا تبالِ إذا عاكست الرياح سفينتك، وإذا ساءتك الأقدار، فرب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وكذلك ترعرع موسى بن عمران في قصر فرعون، ورمى إخوة يوسف به في ملك مصر، فالأشياء لا تعرف ببدايتها، ولكنها تدرك بنتائجها.

قالت امرأة مخزومية لمولى لديها، وقد أساء الصنع فيما يقوم به: إنك لا تصلح أن تكون خبازاً ولا حطاباً ولا فلاحاً، فقال: ماذا أفعل يا مولاتي؟ وهو سؤال العاجز الضعيف الغريب، فقالت له على عجل: اطلب العلم، فمكث ثلاثين سنة في الحرم، حتى قال عبد الله بن عمر: ما لكم تكثرون عليَّ بالسؤال، وفيكم عطاء بن أبي رباح، وزج بمالكوم إكس في غيابات السجن، فتحول بسببها من عالم الجريمة والتشرد والصعلكة إلى عالم الأفكار والكتب، وصنف ضمن الخطباء الجهابذة الذين أثروا في تاريخ أميركا المعاصر، وساهموا في وأد العنصرية ضد السود،

ومن الطرائف أيضاً أن كتاب "لا تحزن" للشيخ الدكتور عائض بن عبد الله القرني قد كتبه في الزنزانة، ولما سأله الملك سلمان عن صحة ذلك، قال: نعم كتبته في السجن أثراً بعد عين، فقال له الملك: لو نعلم أنك تكتب مثله مرة أخرى لأعدناك للسجن، وألف السرخسي كتابه المبسوط؛ لأنه حبس في الجب، واخترع أديسون المصباح؛ لأن الظلام أعاق الأطباء في علاج أمه، فلا تلعن أقدارك مهما كانت أليمة، فقد تكون أفضل شيء حدث لك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.