المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام سراي Headshot

رسالة تحت الماء

تم النشر: تم التحديث:

أيها الصديق العزيز ثامر، يبدو أن الأمر أصعب من أن أستوعبه وقد بدوت اليوم شاحب الوجه حزيناً، ومن غير سيطرة انهمر من عينيَّ فيض من دموع ولست أعرف السبب. الشيء الذي أدركه أنني أشعر بالعار والسوء والمهانة الرهيبة، فقط لأنني شديد الغضب وسريع الاحتراق وعندما يحدث هذا الأمر فإنني سأقول كل شيء، كل شيء لن أتوانى ولا يمكنني التراجع، لقد كان عذري قوياً، هذه المرة سمعت الكثير من الألفاظ التي خدشت كرامتي وجعلتني أبدو بمظهر المتسول الذي لا بد له -وفي الحين- أن ينقذ ما تبقى من شموخه، فقلت كلاماً كثيراً وأنا في موضع الدفاع ولكنه مجرد كلام سلاح من لا حيلة له، أصبحت الحياة عسيرة مليئة بالضغوط أيها الرفيق البعيد ولم أعد أتحمل كوني خلقت فقط للدراسة فالأعباء في ازدياد وكذلك تكاليف الحياة ولن يتحمل أحد كل هذه التكاليف، لا أحد.. حتى أقرب المقربين سيتذمرون كثيراً وسينطلق لسانهم بالسباب واللعن لمجرد خطأ صغير ترتكبه.

أيها العزيز ثامر رغم أني لم أسأل عن حالك، لكني أعرف أنك أفضل مني حالاً بأشواط، فعلى الأرجح أنت تستمتع الآن في شواطئ فيلاديلفيا أو أنك تجاور جدك محمد العلي في حقله بأريزونا.. لا يهم، الشيء الأهم أنك بخير وبصحة جيدة، ورغم أني لم أرك من مدة طويلة إلا أنني أشتاق إليك وإلى حديثك عن صديقتك الفرنسية، وفخرك الدائم بأصولك العربية العراقية، فكلما طرق مسامعي اسم العراق كنت أول من تتبادر صورته في ذهني حرر الله العراق وفك أسره..

أيام جميلة تلك التي جمعتني بك، ولولا قصرها كانت ستُمَلُّ من طولها، ولست أخفيك سرا أحاول دائما القفز على المأساة ومراوغتها بإخراج أرشيف الصور القديمة التي جمعتنا في صلالة بسلطنة عمان، وكذلك رحلتنا الشاقة في جزيرة جربة بتونس ''لقد بدوت في البدء صلب العود قاسي الفؤاد بارد الشعور حتى تفاجأت وأنا أراك تعزف على آلة العود وتتنقل متجاوزا الجغرافيا والأجناس والأعراق بين مواويل عراقية وموشحات حلبية وشذرات أندلسية..

في الكثير من الأحيان أتساءل ايها الرفيق العزيز ثامر الحسن هل يمكن أن تعاد لحظات السعادة في حياتنا فيتبادر في ذهني جواب جميل مفعم بالأمل، فاللحظات كالبشر أجيال يترك بعضها للآخر لصناعة الأجمل وتفادي النكبات، ولننتظر ربما سنسعد بعد كل هذا بمستقبل ناعم ومنعش كقطرات الندى، بعد كل هذه السنين الأكيد أن أشياء كثيرة تغيرت فيك وفي من هم حولك، لكن يسعدني أن أقول إنك لا تتغير وهذا الفرق الذي يجعلك تحظى بحب أصدقائك وكل من هم حولك وطبعاً احترامي وبالغ مودتي.

العزيز ثامر الحسن.. تركنا كل شيء من أجل أن نتعلم مثل جميع هؤلاء البشر، ففوجئنا بأن الأمر ليس كذلك ولم يكن في يوم من الأيام على ذلك النحو نحن هم النخبة الكادحة التي لن تفرق بين الحبر والطين الذي يلطخ الجباه والثياب، لن نتعلم الكتابة والقراءة حتى نتقن فن الحرث والزرع أو كيف يكون الكذب فناً وحرفة بين حوانيت القماش وأسواق الجملة، كل شيء هنا يجعل من ناظريك في الأرض وتفكيرك بين البحار والمحيطات، حتى هوايتي التي ظللتُ سنين وأنا أعكف عليها لا أجد لها اليوم مكاناً.. لقد هجرت الرسم التشكيلي ليس هنالك مساحة للإبداع هنا لقد وجدتني أحترق مع لوحاتي في صمت وسكينة ولا أحد يهتم أو يكترث، حتى أني أظن أني لا أعرف هذا الوطن ولا أجدني إلا غريباً فيه، صحيح أني كنت مولعاً برسم تراثنا ومعالم حبنا للوطن لكننا نشترك في ازدواجية القيم نحب الوطن ولكننا نكره أن يجثم على صدورنا..

أنا أستحضر ولعك الشديد بالثورة البلشفية وهرطقات ماركس وفريديريك أنجلس وها أنت اليوم في أحضان الإمبريالية العالمية أيها الرفيق، أرأيت كل شيء يتغير، الناس يتبدولون في اليوم والشهر آلاف المرات كل شيء يستنُّ بسنة التغيير إلا أوطاننا المجنونة المبعثرة الهائمة على وجهها بقيت أسيرة الماضي مثخنة بجراح الطغيان والفقر والسقوط، أصبحتُ أفكر في الرحيل بعيداً عن هذه الأرض الميتة التي تحاول بكل قوة أن تصنع مناً خشباً مسند ولكننا بقدرة قادر نأبى الرضوخ ومع دوام الحال وانقطاع النفس أخشى الرضوخ يا صديقي، كنت دائماً معارضاً لفكرة الهجرة خارج الديار، ولكن بالله عليك ما عساه يفعل من يبحر على سفينة اجتاحها الأشرار والتجار من كل صوب وأمعنوا فيها الثقب والتخريب هي بالكاد تنجو، هو حال أوطاننا صديقي ثامر.. محطمة، بالكاد أعرف ملامحها وتجدني أعزي النفس بقول فاروق جويدة:

قد عشت أسأل أين وجه بلادي؟
أين النخيل؟ وأين دفء الوادي؟
لا شيء يبدو في السماء أمامنا
غير الظلام وصورة الجلاد
هو لا يغيب عن العيون كأنه
قدر كيوم البعث والميلاد

أظنني قد أطلت وأثقلت عزيزي ثامر الحسن تقبل تحياتي وعبارات الاشتياق الممزوجة بالقليل من التوابل والعتب ولا تنسى أن ترسل سلامي إلى كل من سكن تلك الديار من آل الحسن، صديقك المفدي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.