المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام سراي Headshot

الرواية ... لماذا تدمنين قراءتها

تم النشر: تم التحديث:

تحت الكرسي قِطّ مضطجع وبعض النسمات تداعب شاربه الطويل، لا شيء أجمل من حفيف الأشجار يكسر سكون ووحشة المكان، فصل الخريف لا يأبه كثيراً بالمشاعر، فالأوراق تغادر أغصانها، والطيور تهاجر أوطانها وتبدأ مواسم الكدح والعمل والإنتاج، لا أعرف لماذا فصل الخريف؟

ولكن يبدو أنه قادر على مواجهة الكراهية التي ستطاله من البشر وبعض عناصر الطبيعة، إنه ناجح في تشتيت الجموع وكسر العواطف، ولكنه لا يأبه يعيد ذلك كل موسم برياحه وغيومه السوداء وأمطاره العنيفة.

دعك من كل هذا، إنه من أحاديث النفس اللعينة، ولكني أردت أن أقرأ أول رواية تقع بين يدي للكاتب الكولومبي جابريا جارثيا ماركيز بعنوان خريف البطريرك.

لستُ من الذين يحبون قراءة الروايات فأنا أجد في نوع كثير منها ترفاً ثقافياً وتحيزاً للعاطفة واللذة والخيال في حين نحن في صراع محموم مع الواقع، وبدل أن نستكين، وليس هناك الكثير من الوقت لنطير في أوهام البطولة والخوارق، ولا على أسرة الحب والغرام، نحن هنا في هذا العالم اللعين نستند على الجدران ونتسول الأمن والرغيف، لماذا يقبل القراء على نوع معين من الروايات ذلك النوع الذي تشبع بالإيحاءات الجنسية والعلاقات الماجنة والمتبلدة؟ إنه الغرس الثقافي الغربي بثوب جديد يكتسي قلنسوة الأدب وربطة عنق النور والأنسنة، وتبدأ في رصد التأثيرات فتجد أن أكثر الكتب العربية مبيعاً هي الروايات، والأكثر تهميشاً تلك التي تحتفي بالعلم والفلسفة والدين وعالم الأفكار، والأنثى تستهلك الرواية بشراهة فهي تدمن قراءتها لأنها ببساطة تشعرها بأنوثتها، وما تفتقده من مشاعر، لا بد أنها تقضي وقتها وما تدخره من مال في شراء عناوين فخمة وراقية لروايات مختلفة ولمؤلفين عمالقة في هذا اللون الأدبي، نعم لا بد أن الأمر لذيذ للأنثى المثقفة التي تطمح إلى اقتحام الواقع من خلال تجاربها الروائية، هي تحب كل ذلك وتمتلك ذوقاً أدبياً رفيعاً بسبب هذا الجموح، ولكنها ما زالت تجهل الفرق بين السجود القبلي والبعدي، إنها تجهل أسماء الصحابة المبشرين بالجنة وسير الخلفاء ولا تتعرف من تاريخ أمتها إلا تاريخ ميلادها...

لا يمكن أن نستبدل الخبز بالزبيب ولو كان حلواً، وقد تكون لديها القدرة على قراءة كل إصدارات أجاثا كريستي ومجموعة باولو كويلو وارنست هيمنغواي وبعض متفرقات جبران خليل جبران وغادة سمان، ولكنها تعجز عن تصفح الصفحات الأولى من صحيح البخاري أو موطّأ الأمام مالك.

لا أعتقد أن روعة الأدب وسحر القصة وتجليات الإبداع بكل تفاصيله وعناصره مقتصرة على الرواية، ولو بحثنا في تراث الأدب العربي لعثرنا على تحف ودرر بديعة ككتاب الأغاني والعقد الفريد وفصول في الثقافة والأدب، ومن حديث النفس، وكلها كتب تعلي من القيم الأخلاقية والدينية مع أسلوب سردي فريد وكوكبة من القصص التي فيها من العِبر والمواعظ ما تصلح به الدنيا والدين، ليس في الأمر توجيه للذوق أو الحجر على حرية القراء والقارئات، ولكن الرواية كما تكتبها أحلام مستغانمي ويكتبها الطاهر وطار وعلاء الأسواني وأحمد الصافي سعيد وإبراهيم عيسى أصبحت جزءاً أصيلاً من المجزرة الفكرية والثقافية التي تستهدف الهوية والأصالة والمبادئ، لا يمكنك أخذ الحياة بسذاجة الأغبياء وعفوية الأبرياء تمعّن جيداً في الكم الهائل من الأفكار الغريبة والشاذة التي تزخر بها الرواية وخاصة العربية، إنه طريق جديد للتحرر والتنوير لا بد أن يكون فيه القارئ عابر سرير أو في قلبه أنثى عبرية أو ساهراً على حافة الطريق يحتسي نبيذ الحب والهيام، لا يزال الروائي والقارئ يعيد صنيع السياسي في تبعيته العمياء للمستعمر فهما مولعان بما ينتجه من أدب وفن، وإن كان يحاكي مجتمعه وبيئته والظروف المحيطة به وما تعارف عليه الناس من أصول وعادات وتقاليد.

ولكن الروائي العربي يتعمد سلخ كل تلك العناصر ويغيبها عمداً، ويستورد التجربة كما هي، فيخيل للقارئ وهو يتجول في أرجاء الإصدار أنه يعيش في باريس أو موسكو وبكل نظمها المختلفة فهي غربة أدبية قبل أن تكون وسيلة للتغريب والتهويد الممنهج، وقد تصفحت رواية عابر سرير فعجبت لجرأتها وبذاءة التصوير فيها، فتقول في ديباجة الفصل الأول: كنا مساء اللهفة الأولى، عاشقين في ضيافة المطر رتبت لهما المصادفة الأولى خارج المدن العربية للخوف، وتضيف أن حباً عاش تحت رحمة القتلة لا بد أن يحتمي خلف أول متراس متاح للبهجة، وتقصد بذلك مدينة باريس، وهنا تتجلى طعنات الروائي العربي بين ثنايا ما يكتبه وهو يصور بيئته التي انبعث منها كأنها سجن موحش ومظلم يفتقد لكل عناصر الحياة والسعادة، والأصح أنه يرى في كل مجتمع محافظ ومتمسك بأصالته وجذوره مجتمعاً ظلامياً ومتخلفاً، فالحياة لا تكتمل بهجتها دون تحرر وسفور وشذوذ.

أجدني مولعاً بالأدب ومنذ طفولتي، ولا أخفيكم أنني كنت أحتفي بكل ما أجده من نصوص، ففي سن السابعة تأثرت كثيراً بالقصة القصيرة لأنطونيو تشيخوف، وكانت بعنوان فانكا وفيها من المشاعر الإنسانية ما يجعلني أفكر بحرقة كل ليلة على مصير ذلك الطفل البائس، كما أعدت قراءة رائعة الكاتب الجزائري أحمد رضا حوحو "غادة أم القرى" أكثر من مرة، لقد استطاع من خلالها أن يمنحني مشاعر نبيلة للعائلة المالكة في الحجاز، وللأسف ما زلت أبحث عن نسخة ورقية حتى أعيد قراءتها من جديد، أؤمن إيماناً عميقاً أن الأدب رسالة رفيعة وسفير أمين لكل ما تكتنزه الشعوب من ذاكرة وتاريخ وعادات وأخلاق، ولكني أؤمن أيضاً أن الأدب القبيح في تمدّد حتى لا أكاد أرى من الجمال إلا ناصيته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.