المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام سراي Headshot

معالم في الطريق.. النبوءة الفكرية وفلسفة الطليعة

تم النشر: تم التحديث:

لم يكن كتاب معالم في الطريق ليثير انتباهي أو يحرك قريحتي في القراءة لولا أن اسمه ذكر في موقف مهيب بثته قناة خاصة، وكان المشهد كالتالي: مجاهد صيني من الفصائل التي ترد عدوان النظام في دمشق، الرجل يتكلم كثيراً عن معاناة إخوانه في بلاد الشام، وأنه مستعد أن يدفع روحه رخيصة في سبيل الحفاظ على أعراضهم والدفاع عن كرامتهم، كل شيء هنا طبيعي ولا يثير الحيرة، ولكن المذيع يسأله من أين لك بكل هذه الأفكار فيجيب: من كتاب المعالم للإمام المجدد سيد قطب.

كان من الصعب الوقوع على أدبيات تحاكي مسيرة سيد قطب بالشكل المحايد والعلمي؛ لكونه شغل أذهان الناس فتأثر به خلق كثيرون، وأعجبوا بأفكاره واتخذوا منها منهاجاً في الطريق إلى الحياة الإسلامية الشاملة، كما أتاح للمخالفين والأعداء الفرصة للمعارضة والطعن والتشويه فأنت أمام نوعين من المؤرخين والمفكرين الذين تناولوا سيد قطب، ما بين المادح المبرر والعدو اللدود، كما أن حياة سيد قطب التي امتدت قرابة الستين سنة تمرحلت عبر حقبها المختلفة وتفاعل مع أحداثها و الشخصيات التي عاصرها أو سمع عنها، فقد جمع الرجل في جلبابه أكثر من عبقري فهو الصحفي الناقد والكاتب الشاعر والمفكر الإسلامي والمفسر الرباني، لقد كان سيد قطب قامة أدبية عصفت بجميع أقرانها الذين عاصرتهم، فكتب في نقد نجيب محفوظ، وتنبأ له بمسيرة حافلة، وكان جزءاً أصيلاً من صراع القامتين عباس محمود العقاد ومحمد صادق الرافعي باعتباره تلميذاً معجباً ومتبنياً لأسلوب وفكر وثقافة العقاد، وأتذكر أني قرأت لرائد السمنهوري كتاباً يفصل فيه ذلك الصراع وبين مدرستين من المدارس العتيقة في الأدب المعاصر، وكان سيد قطب شديداً عتيداً جريئاً في نقده للرافعي، فيقول قولاً قوياً مزلزلاً في أحد مقالاته: لا يا أخانا، يقول ألف رافعي وألف شوقي ويبقى بعد ذلك مجال للنقد والشك والتعليق والكلام.

اتسمت شخصية قطب بالقوة والعنفوان والجلد أدبياً وعلمياً، وهو بذلك رقم صعب وقيمة ثابتة عصية على التدوير والتلوين، وهو ما جعله متفوقاً في دراسته، وقائداً في مجاميع الطلبة ولسان لحالهم، فيقول محمد رفيق اللبابيدي: أنا أعرف رأي الأخ قطب في الرافعي، وهو رأي غير تقليدي فلقد كنت في دار العلوم، وكانت حلقة الإخوان تضم قطباً، وكنا على طرفي نقيض، فجماعة منا مع الرافعي، وأخرى عليه وكان سيد قطب لسانها، وقال عنه أستاذه محمد مهدي علام إنه كان قاسياً في نقد أحمد شوقي، وقد نقب في أشعاره حتى أخرج منها سقطات، لم يكن سيد قطب ناقداً جيداً، بل كان كما وصفه فاروق شوشة قامة باسقة في النقد الأدبي، وصاحب نظرة ثاقبة، وغزواته الأدبية كثيرة لا يتسع المجال لذكرها جميعاً.

لقد صدق الشيخ علي طنطاوي في وصفه، وقد كان بينهما صولات وجولات أدبية، فقال: إنني لم أتخيل سيد إلا مقارعاً محارباً، ولم أعرفه إلا كاتباً مجادلاً مناضلاً ومدافعاً ومحايداً، وربما هي السمات التي وقع بسببها في صدمات عنيفة مع خصومه السياسيين الذين اعتقدوا أنه كغيره من الكتاب والسماسرة الذين تباع ذممهم في أسواق النخاسة بأثمان بخسة، سيد قطب من الحراس الأوفياء لعالم القيم والمبادئ والأخلاق، وهو الأمر الذي تزينت به كتاباته، وخاصة كتابه الأشهر على الإطلاق معالم في الطريق.

سمعت في قول المهتمين بعالم الأفكار والكتب قولان لا ثالث لهما في بيان حال كتاب معالم في الطريق، فأحدهم طار طرباً وفرحاً بما جاء في الكتاب، وأنزله منازل لا تكون لمثله، وهو عندي من أمهات الكتب في الفكر الإسلامي المعاصر، ولكن التقديس والتبجيل ينقص من قدر الكاتب والكتاب، وقال فيه آخر ما لم يقله مالك في الخمر فجعله من النكبات ومن البلايا الساحقات الماحقات، ورد إليه كل فكر دموي ينسب إلى الإسلام وفي هذا ردود وتعليقات، والحق أقول إنه ومن تصفحي للجزء الأول من الكتاب أثار انتباهي التركيز الشديد لسيد قطب على قيمة عظيمة جليلة، وهي قيمة التوحيد سواء عبر تقديسه لذاتية الله ومحاربته لكل أنواع العبودية للبشر وبجميع أصنافها أو من خلال رفعه لقيمة النص القرآني، واعتماده تشريعاً صافياً نقياً مثالياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذا سبب كاف لحرب الأمم الأخرى، وتكالبهم على من عظموا من قيم التوحيد كالفاروق عمر والإمام أحمد بن حنبل والشيخ ابن تيمية والإمام ابن عبد الوهاب، ولا عجب في ذلك فكل الرسائل السماوية بنيت على أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يظهر تأثر سيد قطب بأسلوب أستاذه عباس محمود العقاد، ولعله تفطن لعبقرية العقاد في التصوير الفني العميق عندما افتتح كتابه "عبقرية محمد" بقوله: "كان عالماً متداعياً"، مختزلاً بإبداع شديد حقبة ما قبل البعثة المظلمة، كذلك يفعل سيد قطب في كتاب المعالم بعبارات قوية جداً؛ فيقول: تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية "كأني به يستشرف المرحلة التي وصفها من قبله العقاد، وكأني به يصيح محذراً"، نحن عائدون إلى حقبة التداعي والظلام، حقبة الجاهلية الكبرى، جاهلية ما قبل البعثة.

هل نحن أمام نبوءة جديدة تنقض البشرية من السقوط في غياهب الهاوية؟ هل انتهت أكذوبة الرجل الغربي الأنموذج الذي روج لها فوكوياما في كتابه نهاية الإنسان؟ لماذا يجب أن نقيم إرهاصات الفكر البشري وانعكاساته في عالمنا من الاشتراكية إلى الرأسمالية إلى الديمقراطية؟ يبدو أن العقل الغربي يقف اليوم عاجزاً حائراً أمام فشله الذريع في قيادة الأمم إلى ضفة السلام والازدهار، لم تتوقف الحروب والإبادات ولا سبيل لوقف تغول الأغنياء على الفقراء ولا لتوزيع عادل للثروة، القيم الإنسانية والأخلاقية تكاد تندثر وتسود المادية بكل جموح ووحشية، يعلق سيد قطب: "لا بد للبشرية من قيادة جديدة"، فقيادة الرجل الغربي أوشكت على الزوال.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.