المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام سراي Headshot

شهداء الكتابة

تم النشر: تم التحديث:

في المطبخ تعلمت من أمي كيف أكتب على نار هادئة خافتة، والهدوء توأم التأمل وشقيق الأفكار، فقد كانت تصنع صومعة لها تمارس فيها هواية الكتابة من غير أوراق ولا أقلام، ربما باقة من الخضار الطازجة، وبعض التوابل الحارة كفيلة بكتابة قصيدة تضاهي قصائد ألكسندر بوشكين مجتمعة، طبعاً أريد بكل تحيز أن ألفت انتباهكم إلى الجودة التي تمتلكها أمي، وهي تعد أصنافاً من الطعام.

ولكنك ستتعلم منها التريث والتمهل وتذوق ما تكتبه مرة وأكثر، ففي الأخير أنت لا تكتب لنفسك هناك قارئ همام متمرس ينتظر بشغف إصداراتك وما تنتجه.

وقد أورد الدكتور محمد حامد الأحمري، في كتابه مذكرات قارئة، قصة الكاتب المغمور والروائي الكبير ماركيز مكسيكوا؛ حيث أورد الأخير قائلاً: جاء إلى بيتي في مدينة مكسيكوا شاب في الثالثة والعشرين من عمره، كان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور، وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة؛ لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى الناشر، أبديت له حيرتي لتسرعه، وهو لا يزال في بداية الطريق، فرد عليّ باستهتار لا إرادي: أنت عليك أن تفكر كثيراً قبل أن تكتب؛ لأن العالم بأسره ينتظر ما ستكتبه، أما أنا فقلة من ينتظروني ما أكتبه، يعلق ماركيز، فهمت أن الشاب أراد أن يكون كاتباً رديئاً سلفاً وبالفعل هجر الكتابة بعد مدة وجيزة، من الصعب أن تنجح في هذا المجال بالذات إذا لم تكن صاحب نفس طويل وصبر وجلد.

أجده -أي الكاتب الأصيل- كشمعة في ركن من أركان الحياة تحترق بهدوء وصمت وسكينة؛ لتضيء غيرها وتنشر بينهم البصيرة التي أعدمها الظلام والجهل والطاغوت، ولكنه يحترق ويندثر ويموت بينهم، ولا أحد يهتم بذلك، حتى إذا عاد الظلام افتقدوا الشمعة التي كانت ترعى أرواحهم، وتتكلم بلسان ضميرهم الغائب المغيب، والمضطهد هناك في غيابات اللاشعور الجمعي، وقد يتحول الكاتب إلى نجم قطبي تهتدي به القوافل، ويستأنس به الركبان جيلاً بعد جيل، لا لشيء إلا لأنه وفي غمرة الموت المحتوم جعل الحياة ممكنة، وفي حضرة الكتمان والقمع جعل البوح والانعتاق سبيلاً للرشاد.

غسان كنفاني كاتب في مقام نبي، قديس، شهيد، كتب بدمه عن عكا مسقط رأسه وعن يافا وبداية النكبة ورسم بأحرف منتحبة ألم التغريبة ولوعة الفراق، كيف يستطيع قلمك أن يجلد الجلاد يا غسان ويؤلمه في اللحظة التي تجبن الطائرات والدبابات؟ أليس السيف أصدق إنباء من الكتب؟ ما لي أرى كتبك قد أخرست السيوف وأبكمت البنادق؟ لماذا قتلتك إسرائيل يا غسان كنفاني؟

ربما لأنني متجذر في الحياة أكثر منهم، هم لم يقتلونني، ولكنهم أراحوا جسدي المنهك والمحطم، لقد منحوني الحياة الأبدية التي حرموا منها، غسان كنفاني أطول عمراً من إسرائيل بنضاله ومواقفه وكتبه وقصائده، يرحل الشاعر وتبقى القصيدة يغتال الكاتب وينتشر الكتاب يموت المفكر فتحيا الفكرة، لا مجال للفناء، فالكاتب ينتمي لعالم الأرواح، والأرواح لا تفنى.

ومن القصائد الساحقات الماحقات اللاتي قتلن القائل والقاتل بذبابة السيف الواحد، ويذكر في التاريخ من الشعراء من أخذت به قصيدته إلى عالم البرزخ، وأنهت حياته في لمح البصر، ويا ليته ما تقول الشعر يوم ذاك، ولكنه قال وانتهى الحال، وكيف تجني القصيدة على قائلها وهي التي تحمل ألحانه وأشجانه وعواطفه وإنسانه، ولكنها تفعل وأشد، فكاتب القصيدة يرسل وابلاً من القذائف والشظايا تفحم من قصده الشاعر باللعن والهجاء، وليس في الأمر عجب، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- ينصر حسان بن ثابت ويستحسن قوة بلاغته، فيقول له: اهجهم وروح القدس يؤيدك، وفي موقف ثانٍ يقول: إن شعرك أشد عليهم من وقع السهام، هي القصيدة إذاً تقذف بحممها وبراكينها فتستشيط كلماتها وعباراتها كنار السموم فتحرق الأخضر قبل اليابس.

شهداء الكتابة بنوعيها نثراً أو شعراً هم الذين يوقدون قناديل الفكر كل ليلة، ويقتلون القبح والرداءة عند كل إشراقة شمس، ولا تتوقف معركتهم في الحياة عند عتبة الموت، بل تستمر أقوى وتكتسي لباس العافية بعد الهزال، وتتمتع بالقوة والتمكين بعد القلة والذلة.

كتب سيد قطب كتابه النبراس "معالم في الطريق" وهو في السجن، وما كان لأحد أن يتنبأ بالخطوب التي سيحدثها الكتاب، سواء على كاتبه أو على مدرسة الفكر الإسلامي بشكل خاص، لقد عاش الكتاب وتداولته الأجيال المتعاقبة وعقدت لأجله دراسات وندوات، واعتنق خلق كبير ما حمله من ثورة على القيم الاجتماعية والدينية السائدة، بل تفرع عن ذلك جيل من المفكرين والكتاب والنخب التي رأت فيه منهاجاً وسبيلاً لقراءة فكرية واعية وعميقة لإرهاصات العالم الإسلامي.

وُلد "معالم على الطريق" وترعرع واشتد عوده وأثمرت أغصانه عنباً يانعاً طيباً، ولكنه الكتاب الذي قاد كاتبه إلى غرفة الإعدام وأحصاه في قائمة الشهداء، لقد صدق أبو تمام إذ يقول: السيف أصدق إنباء من الكتب، ولكن تمهل يا صديقي، فمن الكتب ما هو أحدّ على المرء من السيف، وأشد في الفتك من المهند الشرس، تبدو بعض الكتابات والأفكار خالدة أبدية؛ لأنها وببساطة تشبعت بصدق وشموخ وتضحية وسموا مَن كتبها مِن الشهداء.

سليم اللوزي ثائر الصحافة العربية والروائي اللبناني الأشهر دافع ونافح عن القضايا المفصلية التي عاشتها أمتنا العربية، وأشد ما أشعل غضب قلمه وقوع لبنان تحت طائلة الأسر السوري والإسرائيلي، الذي جردها من جمالها وثقافتها وكيانها، بين طرابلس ويافا مأساة أخرى تضاف إلى قائمة الشهداء وأقلام الحبر الأحمر والكلمة الحرة، رصاصة في الجبين وقبلها بقليل تغمس تلك الأنامل التي أذاقت الطغاة نار السموم في مادة الأسيد، لا ضير أن يقتل المرء لأجل قضية عادلة، ولكن الألم يترسخ عندما تنتشي الضباع بنهش القداسة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.