المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام نضيفي Headshot

أطوار أزمة الخليج تدور أيضا في باريس

تم النشر: تم التحديث:

قام وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، بزيارة للخليج بدايةً بالدوحة ثم الرياض والكويت وأبوظبي يومي السبت والأحد 15 و16 من شهر يوليو/تموز. وأتت هذه الزيارة بعد زيارات وزراء خارجية كل من بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة للمنطقة، التي تشهد أزمةً غير مسبوقة بين دولة قطر وما بات يسمى حلف رقاب (الرياض والقاهرة وأبوظبي والبحرين) المحاصِر؛ وذلك رغبة منهم في الوساطة لإيجاد حل سريع لها.

لكن الحديث هنا ليس عن وساطة هذه الدول وعن جدوى تدخُّلها لتهدئة الأوضاع، في ظل تعنت المواقف واستحالة استجابة قطر لما طلب حلف رقاب التعسفية وإنما الحديث عن أطوار هذه الأزمة التي انتقلت أطوارها لتدور في العاصمة الفرنسية باريس؛ فعلى غرار تعارك وسائل إعلام هذه الدول فيما بينها، كانت باريس مسرح معارك فكرية بين مراكز بحوث، عن طريق ندوات تحاول التأثير على الرأي العام الفرنسي والأوروبي.

أول ندوة كانت يوم الإثنين 26 يونيو/حزيران، ودعت إليها جهتان رئيستان (بشراكة مع مؤسسة الثريا للاستشارات)، أقل ما يمكن القول عنها إنها معادية لدولة قطر.

الجهة الأولى، وهي المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاستشرافية الذي أسسه المازري حداد، وهو سفير تونسي سابق ظل وفياً لنظام بن علي ولم يؤيد يوماً ثورات الشعوب.

والجهة الثانية، كانت المركز الفرنسي للبحث والمخابرات الذي يديره إيريك دينيسيه، المتهِم لدولة قطر في تلك الندوة بتمويل الجماعات الإرهابية دون إثبات ذلك بأدلة؛ بل اعترف بصعوبة إيجاد أدلة تبرهن فعلاً على تورط قطر في تمويل الإرهاب؛ وهذا أمر يدعو للاستغراب، فكيف له أن يوجه تهمة ثقيلة دون أدلة ملموسة؟!

حاول المحاضرون في هذه الندوة، التي حملت عنوان "استثمارات قطر في فرنسا: معادلة معقدة بمجهولات عديدة"، إبراز ما سموه الوجه الآخر لقطر كدولة إمبريالية تريد لعب دور يكبر حجمها من خلال دبلوماسيتها.

كما حاولوا الربط بين دولة قطر والإخوان المسلمين والإرهاب؛ بغرض تخويف الرأي العام الفرنسي والأوروبي من الخطر الوهمي الذي قد تخفيه وراء استثماراتها الأيديولوجية الإسلامية الفاشية كما سماها المازري حداد، الذي استعار مصطلحاً من مصطلحات اليمين المتطرف والسياسيين المعادين للإسلام والمسلمين في فرنسا، داعياً المسؤولين الفرنسيين للتخلي عن استثمارات دولة قطر المعزولة، على حد أقوال المشاركين في هذه الندوة، والزاعم أحدهم أن هذه العزلة قد تسبب فقدان قطر أحد أبرز نجاحاتها ومكتسباتها على الساحة الدولية، وهو تنظيم كأس العالم لكرة القدم سنة 2022.

بعد هذه الندوة بأكثر من أسبوعين، جاءت ندوة مركز الدراسات العربية والتطوير لتنير الرأي العام الفرنسي بوجهة نظر مختلفة عن تلك التي قُدّمت في الندوة الأولى.

فتحت عنوان "أزمة الخليج وحصار قطر.. قراءة في الجذور والسياق والتداعيات"، نظم مدير المركز والمستشار السابق للرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، محمد هنيد، ندوة يوم الخميس 13 يوليو/تموز الجاري، كان من بين المشاركين فيها الدكتور القطري محمد المسفر، والمستشار القانوني ناصر الحنزاب، ورئيس اتحاد الديمقراطيين الأتراك بأوروبا يلتسين سيمسيك، إضافة إلى وجوه فرنسية مختصة في شؤون الشرق الأوسط؛ كالدبلوماسي السابق بيير لافرانس والمستشارة المستشرقة أنياس لوفالوا.

فكانت هذه الندوة الثانية بمثابة رد للأولى؛ إذ زعمت المداخلات فيها أن قطر بريئة من اتهامات تورُّطها في تمويل الجماعات الإرهابية، كما فسروا حصار قطر بمواقفها الشجاعة تجاه الثوارت الشعبية التي دعمتها، خاصة معنوياً عن طريق قناة الجزيرة التي أعطت الكلمة للجميع للتعبير عن رأيه ونشر الوعي الثوري التحرري؛ وهذا أمر لم يرُق للأنظمة التي يساندها جيران قطر.

باريس إذاً، مسرح تدور فيه أطوار الأزمة الخليجية عن طريق مركزين بحثيين، أسسهما تونسيان عاشا ثورة تونس؛ فالمازري حداد كان من ضحايا الثورة التونسية؛ إذ فقد صديقه بن علي عرشه، فأصبح كارهاً لقطر ولقناة الجزيرة، يحمّلهما كل مآلات تلك الثورة. وأما محمد هنيد، فكان من أول مساندي الثورة التونسية، وكل ثورات الشعوب المطالبة بالكرامة، فأصبح ممتناً شاكراً لدور قطر و"الجزيرة" في مساندة تلك الشعوب ويدافع عنهما أينما حلَّ وارتحل.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.