المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام أعناجي Headshot

هل يواجِه "العدالة والتنمية" التحكّم فعلاً؟ أم مجرد زوبعة في فنجان؟

تم النشر: تم التحديث:

لنتساءل من جديد، والهدف ليس التساؤل فقط، وإنما توضيح الصورة أكثر، بعيداً عن الأيديولوجيا التي تجعلك دائماً مغيَّباً ومرهوناً لدى جهة ما وتتوهم أنك ترى الأشياء كما هي، توضيح ما يقع من صراع، من تدافع وإصلاح، لنتساءل بدقةٍ: هل يواجه حزب العدالة والتنمية التحكّم، مؤسساتياً وسياسياً وإعلامياً؟

قبل الإجابة، نوضح أن الصورة التاريخية للتحكم ونشوئه قد عمقّت الشرخ بين المجتمع والدولة عبر خاصيتين أساسيتين: المركزية الشديدة والازدواجية في المهام. المركزية الشديدة تتمثل في تركيز السلطات كلها تقريباً بيد المقيم العام ثم في يد القصر، أما الازدواجية فتتمثل في كون السلطة الملِكية لها مندوبون في الإدارات التابعة للمقيم العام، وستتطور هاتان الخاصيتان مع مرور الوقت، وسيتبين لنا ذلك في حكومتي التناوب وفي حكومة عبد الله إبراهيم وحتى في حكومة بنكيران، هذه الازدواجية هي جوهر التحكم (تداخل في المهام إلى حد لا يمكن فصلها ولا يمكن محاسبة مسؤوليها لعدم وضوح المسؤولية وتميّزها، ولا تعْلم مَن قمع الأساتذة المتدربين في أنزكان؛ هل الحكومة أم جهة أخرى).

ونرجع إلى جوهر التحكم التي ذكرنا أعلاه: "الازدواجية"، ونؤكدها بالاستشهاد بهذا القول الثمين "فلا غرابة إذاً من أن يتهمنا البعض اليوم بأننا كنا نتوفر على سائر السلطات طيلة سنوات 1956 - 1960. بينما كنا فاقدين لجوهر السلطة، هذه هي الحقيقة" (ص54، الاختيار الثوري في المغرب، دفاتر وجهة نظر).

لقد أثبتت مشاورات تشكيل الحكومة تدخّل عدة أطراف؛ منها "جهات عليا =القصر - خطاب الملك"، التحكم الاقتصادي "الأحرار، رجال الأعمال =الباطرونا"، والتحكم السياسي "الداخلية - البام"، بنكيران "كرجل مرحلة"، إعلام يوجه بشكل غير منصف الكفة لجهة ما "خير دليل عدم تغطية أنشطة رئيس الحكومة الرسمية في مؤتمر المناخ، مقابل تغطية كل الأنشطة التي يشارك فيها وزراء محسوبون على حزب التجمع الوطني للأحرار".

اليوم وبعد أن اقتربت الحكومة من أن تكتمل، بتحالف البيجيدي مع التحكم الاقتصادي "الأحرار، الباطرونا"، بوجود حارس التحكم "الداخلية أو الإدارة "مع عزل تكتيكي سياسي لحزب الأصالة والمعاصرة "طرف بسيط في التحكم، أو الوجه الظاهر للتحكم"، حزب مدعوم من القصر وبمباركة الجهات العليا، نستنتج تهاف أطروحة "البيجيدي يواجه التحكم"؛ بل إن ذلك أوضَحه، بدقةٍ وبلغة التاريخ، المفكر محمد جبرون في أكثر من مناسبة، خصوصاً في حواره الأخير مع يومية أخبار اليوم، أوضح أن التحكم من طبيعة النظام السياسي، لماذا إذاً تهافتَ خطاب مواجهة التحكم؟

لنجيب بدقة:
أولاً: ليس في عقيدة "العدالة والتنمية" منطق المواجهة "منطقه المشاركة والإصلاح في ظل الاستقرار؛ أي لا مغامرة وإن اقتضى الأمر التحالف مع (التحكم)، الأخير تجسده أحزاب والباطرونا ومؤسسات دستورية وشركات كبرى، و(ناس لي حاكمين الفوق) بتعبير بنكيران".

ثانياً: "العدالة والتنمية" لا يواجه التحكم مؤسساتياً، فهو يتعايش معه ويقبل به "انتخابات مجلس المستشارين، ومجلس النواب وغيرها من المؤسسات التي للتحكم يد طويلة بها".. وإلا فهل سيواجه الديوانَ الملكي مثلاً "في قضية بنعبد الله، الكل سكت..، وبنكيران قال: (بنعبد الله دفع الثمن)، ألا يقصد بذلك أنه دفع الثمن من القصر".

ثالثاً: سياسياً، من حيث بيانات الأمانة العامة لـ"العدالة والتنمية"، كم من مرة رفض البيجيدي الخروج للشارع "حتى الوقفات مع فلسطين لم يعد يخرج لها"، من 20 فبراير/شباط إلى اليوم "قضية محسن فكري"، التي واجهت فيه القوى الشعبية "التحكم السياسي والاقتصادي والإعلامي": "اسطر على المواجهة المباشرة وتسمية الأشياء"..

إعلامياً، من خلال تصريحات قياداته، ومشاركاتها في برامج إعلامية، لا يواجه بشكل مباشر التحكم، وإنما يعمل على توظيف صراع حزبي فقط، مع الأصالة والمعاصرة "جزء من التحكم السياسي"، وتحاول التحدث عن وجود الدوباج، والتحكم في العملية السياسية دون أن تتحدث بشكل مباشر عن الفاعلين الحقيقيين في دائرة التحكم، التي هي من طبيعة النظام السياسي المغربي "مشكلة الازدواجية في السلطة كما تحدث عنها الجابري".

اليوم، صدق من قال إن أكبر إله يُعبد هو إله المصالح، لا إله العقائد، المصلحة تفعل فعلتها وتجعل خطاب البيحيدي يوهمنا أنه يواجه التحكم، وترى أتباعه يخونون من يخالفهم في تقدير المواقف ويتهمونك تارة بالتحالف مع التحكم، أذكّركم بمثال بسيط والأمثلة مثيرة، هو تيمور لانك، الذي تعده إيران فاروق الإسلام، وقد قيل إنه قتل الملايين في العراق، إلا أن قوم إيران يفتخرون به، ويطيعونه، هذه العبودية مرتبطة بمصلحتهم، ويكرهه العراقيون والأتراك لأنه كان ضد مصلحتهم وأباد الملايين فيهم، هذه الأيوديولوجية تجعلك تتشبث بفكرة أو شخص أو تنظيم ولو كان على خطأ وترفض فكرة ما أو تنظيماً ما أو دولة ما وإن كانت على صواب.

ان تتبع المشهد السياسي المغربي يجعلك تخلص إلى أن مقولات "مواجهة التحكم"، منذ الاستقلال إلى اليوم، تنتهي دائماً بالصراع على السلطة بين الأحزاب الوطنية والقصر، مما يضيّع عليها فرص استكمال ورش بناء المؤسسات والدفع بالمصالحة بين القصر والأحزاب، بين الدولة والمجتمع، بين الأجهزة الأمنية والحركات الاحتجاجية، بين الإعلام والقضاء، لا بد من تجاوز لعبة الردود الانفعالية بين الأحزاب والقصر التي يذهب ضحيتها الشعب، الذي أصبح اليوم مهدَّداً بفقدان تعليمه بعد أن قرر المجلس الأعلى للتعليم تقديم مقترح إلغاء مجانية التعليم.

أصبحنا اليوم نستنتج، أكثر من أي وقت مضى، أن الصراع السياسي ذا الطابع الحزبي والمصلحي يفوّت علينا إصلاح عدة قطاعات؛ منها التعليم والصحة والشغل؛ بل المتأمل لتأخر تشكيل الحكومة وما تكبّدته البلاد من خسائر بعد توقف الكثير من المؤسسات الدستورية من الاشتغال لافتقادها الشرط القانوني والدستوري "مجلس المنافسة مثال بسيط، توقفه أدى إلى ارتفاع أسعار المحروقات وما تلاه من احتجاجات الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعي"، وهكذا دواليك نفقد يوماً بعد يوماً فرصاً لإصلاح الأوضاع بسب صراعات حزبية ضيقة وفهمها الضيق للمرحلة السياسية التي تمر بها بلادنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.