المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله الذهبي Headshot

كيف انفردت الوحدانية لله الواحد الأحد؟

تم النشر: تم التحديث:

تفرّد الله -جلَّ جلالهُ- بوحدانية لا مثيل لها، فنفى عن نفسه الشريك بلا إلهَ إلا الله وحدهُ لا شريك لهُ، وجعل للإنسان الشريك في كل شيء، بدايةً من القرين إلى الحياة الزوجية إلى الأولاد إلى الأبوّة والأمومة، فاكتملت السماوات والأرض بتكوين لا فسادَ فيه في عالم التصوير بين الخالق والمخلوق، ولكن الإنسان عاثَ في الأرضِ فساداً مع شريكه في كل شيء، بحرية مطلقة وبأمر إلهي مطلق إلى إبليس حين قال له: واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم.. واستثنى ما استثنى فكان أمراً ربانياً مباشراً بالشراكة لينفرد بالوحدانية.

ولم يعقب إبليس وأعجبه الأمر، في حين أنه حين أمرَهُ بالسجود رفضَ الأمر، فلإبليس الحرية المطلقة في أفعاله، وإن أنظره الله جلَّ جلاله ليوم القيامة وقال له: إنك مِنَ المنظرين وهذا مبحث آخر.

فعاث الإنسان في الأرضِ فساداً مع شريكه المؤمن بوجود الألوهيّة، الذي كلمَ الله وأخذ عهداً منه ثم تحداه، وهذا التحدي قائم إلى يوم القيامة مع سَبق الكتاب بخسارة إبليس، ولكن لا ضير من هذه التجربة الإنسانية الإبليسية الممتدة فيما جعل الله منها نعمةً للإنسان، فقد خُلقت الغرائز كلها على مستوى واحد في الإنسان وفي إبليس وفي الحيوان والشراكة، ولم يُفرَّد الإنسان إلا بأخلاقياته، فإن ذهبَت أصبح مجتمعنا حيوانياً بحتاً كقانون الغاب لا فرق، فالحيوانات لا تَعبُر غريزتها وتقضي ساعات في التربص بفريستها وتتملك هذا الجسد بغريزة وحشية، فتعيث فيه فساداً لترسم لوحة جديدة مغايرة للوحة الإله في انفراده في الطبيعة، وكذلك نحن عندما نمتلك الشيء نفترسه وندمره نمشي به نحو التلاشي، ولا منافس لأحد في ملكيته، مع العلم أننا فانون وتنتقل ملكياتنا بالميراث أو الاستيلاء إلى ذوينا، فنحن بالنهاية لا نملك شيئاً فعلياً، وكأننا في علاقة إعادة تدوير مع الكون، استلام وتسليم لا رابح ولا خاسر، بل اعتدال وهذا هو العدل الإلهي فينا.

وقد ذكرت الشرائع السماوية مفهوم الإفساد مرتبطاً بالاستيلاء الذي هو من أسباب كسب الملكية بهدف الاتساع وتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، ففي سفر المكابيم الأول 22:7 (وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْمُفْسِدِينَ فِي الشَّعْبِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَرْضِ يَهُوذَا، وَضَرَبُوا إِسْرَائِيلَ ضَرْبَةً عَظِيمَةً).

فالإفساد وكسب الملكية مفاهيم ارتبطت ببعضها البعض، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) سورة الروم: 41، وانفردت عن مفهوم وحدانية الله فما أوصانا به الإله بعيداً عن وحدانيته المنفردة هو أن نكتمل بالأخلاق لنستطيع التعايش في مفهوم الشراكة الموضوعة فينا من السماء، فعندما تضع الأخلاق التي أمرنا بها الله في ميزان، والعقاب الذي وقع على الإنسان في الشراكة مع القرين وإبليس وكل شيء في ميزان آخر، يظهر مفهوم الحياة أنَّ كل أمر يخلو من الأخلاق هو حيواني بحت، وأن الأخلاق ارتبطت بكل الشرائع وبكل الحضارات ليسمو الإنسان بها عن غيره من المخلوقات، ولكن هل نُفّذت أو تُنفّذ أم أن الغاية تبرر الوسيلة وأخلاقنا هي عرضة بين الفينة والأخرى لقانون التجارة بالرغم من أن القوانين وضعت لضبط أخلاقيات الإنسان.

فالبشرية تتقبل بعض الصور الإلهية وتنكر أكثرها، وهنا يتدخل القانون الإلهي ليعيد التوازن في الكون، فمع أننا مُختبرون في أخلاقنا وما عوقبنا به من شراكة إبليس، إلا أنّه لا بدَّ لهذا التدخل المنفرد، (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) سورة الأنبياء: 22، أي أن الله جلَّ جلاله جعلنا عُرضةً للفساد، ووضعَ لنا حمايةً منه في نفس الوقت.

فترانا أينما أردنا التملك أسرعنا في الإفساد وأسرع الله -جلَّ جلاله- في الإصلاح، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ) سورة البقرة: 251، وقد تحضر الإنسان وتملّق في أخلاقياته أمام خالقه، ووضع تعاريف قانونية شتى للملكية ليثبت أنه أهل لكل الحضارات، وغالى أحياناً في إضفاء صفة القدسية على حق الملكية، فهو خليفة الله على الأرض، وله حقٌ فرديٌّ مقدس ومطلق أن يتصرف في مُلكه كيفما يشاء، في حين نادى من كان مستوى أخلاقه تهتم بأن لا يؤدي ذلك إلى استغلال الإنسان لأخيه الإنسان بالقيود على هذا الحق، وذكّرَ المجتمع بأنَّ له وظيفة اجتماعية أيضاً تحد من التفرد بالملكية، ولا بدَّ من الشراكة في خدمة أي اقتصاد وطني وعالمي، وهذا لا يتعارض مع أي مصالح خاصة لخليفة الله في الأرض.

وقامت القوانين والاتفاقيات الدولية، ولا يزال الأمر ينقضي في سلسلة واحدة من الاستعمال والاستغلال والتصرف لهذا الكون الواحد والنفع والانتفاع، وكل ذلك يهدف إلى إحداث تغيير مادي في الشيء أو إنشاء حق عيني عليه، وهو إلى زوال بزوال الإنسان بحد ذاته، وتبقى الأخلاق هي من تتحكم بورود حماية المصالح العامة للإنسان وعليها نحاسب فعلياً، (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة: 30، فملكية الأرض لله وحده، (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ) سورة العنكبوت: 56، فتفرّد الله بوحدانيته وملكه وتفرّد الإنسان في شراكته مع خلق الله، وهو ما جعل للإنسان قدرة أن يُفسد في الأرض منذ ظهوره فلا نظير له كمخلوق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.