المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة زكريا Headshot

بين أرطغرل بن سليمان شاه.. وضحايانا المظاليم!

تم النشر: تم التحديث:

- المشهد الأول: ليل داخلي حالك

#6_مظاليم.. نعم هم كذلك، مظاليم.. ستة من خيرة شباب مصر ينتظرون تنفيذ حكم بالإعدام في أي لحظة عقب محاكمة هزلية بشهادة كافة المنظمات الحقوقية، لكنهم ليسوا وحدهم في هذا الوضع، فقد لحقهم 31 آخرون ليلة 23 من رمضان الماضي، وسبقهم الشيخ السكندري فضل المولى، وكانت بداية مشوار القتل باسم القانون مع محمود رمضان الذي نفذ فيه حكم الإعدام بالفعل قبل نحو عامين، أما ذروة الكوميديا السوداء فكانت تبرئة 6 من الشباب فيما عرف بقضية عرب شركس..
نعم.. أنت قرأت الجملة السابقة بشكل صحيح.. فأنا أسخر في أسى من تبرئتهم.. تعرف لماذا؟ لأنه ببساطة سبقها تنفيذ حكم الإعدام فيهم بالفعل، وكان أصغرهم في الثامنة عشرة من عمره!

وفي سجل المظاليم من ضحايا الانقلاب العسكري في مصر، قائمة طويلة، تشمل كذلك عشرات ضحايا "الإعدام الميداني بدم بارد"، آخرهم 8 شباب اختفوا قسرياً ثم أعلمت السلطات ذويهم بأن عليهم تسلّمهم من المشرحة، وكان بين هؤلاء شقيقان توفيت جدتهما حسرة عليهما بعد سماع الخبر، وسبقهم الـ9 المعروفون من رموز جماعة الإخوان المسلمين في شقة أكتوبر، فضلاً عن عشرات قضوا ضحايا الإهمال الطبي في السجون، والآلاف ضحايا المجازر التي ارتكبتها ميليشيات الانقلاب.. ولا يزال هناك نحو 60 ألف رهينة في معتقلات الانقلاب.

عفواً.. بل 90 مليون مصري رهينة في قبضة العسكر.. فلا زالت دماء ضحايا استاد "الدفاع الجوي" من مشجعي الكرة مهدورة سدى دون محاسبة الجاني، رغم كونهم لم يكونوا معارضين لحكم العسكر.. ولمَ لا؟! فمصر كلها رهينة أمام فوهة بندقية يحملها من يفترض بهم حمايتها..
نعم يا بلادي.. هكذا صرنا مظاليم.. وضحايا.. ورهائن.. ولا يزال القوس مفتوحاً.

************

- المشهد الثاني: نهار من أفق تاريخي يلقي بظلاله على الواقع في شكل دراماتيكي.

يعرف هدفه.. يفهم عدوه.. حدد ملامح معركته.. وموقعه منها.
يخوض الجولة تلو الأخرى.. يخسر مرة فلا ينكسر.. وينتصر أخرى فلا يغره النصر.. يدفن أحباءه بيديه في قبورهم التي يرويها بدموعه.. ثم ينتصب حاملاً سيفه حتى لا يترك دماءهم مهراقة على الأرض.
يقابل العدو المتجبر بقوة تكسر تجبره.. والعدو المتصهين المتزلف بوضوح رؤية وثبات تعري حقيقته..
لا يضعف أمام حب حبيب يستعطفه، ولا ينخدع بخائن يكيد له.
يقاتل بضراوة حتى الرمق الأخير في أحلك الظروف دون يأس ولا استسلام.. تنهمر السهام عليه فيصيب أحدها كتفه.. والآخر ساقه.. وضربة سيف من مبارز شرس تضرب بطنه، فذراعه، فظهره.. وأخيراً يبتسم وهو يعانق مصيره.. وقد بدأ يشعر بماء الحياة يتسلل خارجاً من جسده المتهاوي.. لا يخاف ولا يراع.. فقد آن أوان الراحة بعد أن أدى جهده.. وأدمى عدوه كما أدماه وأكثر.. وترك خلفه من يكمل المسير.
هكذا صور كاتبو مسلسل "عودة أرطغرل" شخصية بطله أرطغرل بن سليمان شاه.

*************
- فلاش باك..

وفي خلفية المشهدين السابقين مشهد ثالث.. تحديداً مساء الأربعاء 14 أغسطس/آب 2013.. في حدود السابعة مساء.. رائحة الرصاص والدماء تملأ الأنفاس.. دخان الحرائق ولون الدم يصبغ الوجوه.. الجثث والمصاحف وبقايا حياة كانت هنا بين أرجاء الميدان تئن تحت وطأة مجنزرات العسكر.
لكن العشرات الذين أخرجوا تحت الرصاص.. وقد توقفت حياتهم عند هذه اللحظة، لم يعد لحياتهم معنى سوى هدف واحد انطلقت به حناجرهم، بينما ينظرون في تحدٍّ عاتب للعيون المترقبة في حذر خلف شرفات المنازل المغلقة في الشوارع المحيطة بميدان رابعة العدوية: "ثوار.. أحرار.. هنكمل المشوار../ يسقط.. يسقط.. حكم العسكر../ يا شهيد نام وارتاح.. وإحنا نكمل الكفاح..".

****************

وفي خلاصات المشاهد الثلاثة نقول:

- اللغة هي وعاء الفكر.. وعندما تتحول مفرداتنا من ثوار أحرار مقاومين.. إلى ضحايا ورهائن ومظاليم.. فإن هذا يعكس تحولاً دراماتيكياً في رؤيتنا لطبيعة المعركة..
- الأفراد في ظل الابتلاء يرتقون بالصبر والثبات وبذل المزيد من التضحيات، فهو أمر يتعلق بعلاقتهم بالله وثباتهم على المبدأ الذي اختاروه.. بينما القادة والجماعات والتنظيمات تتهاوى حينما تدعو لمزيد من التضحيات دون وضوح رؤية حول كيف يمكن تصب هذه التضحيات في تحقيق الهدف.

- الضحايا والمظاليم لا يصنعون مجداً ولا يحررون وطناً ولا يرفعون أمة من ذلة.. بل الثوار والمقاومون يفعلون.

- تقبل الله ممن يتحملون كل هذا الألم في سبيله وثبتهم على الحق، وأنقذ أحبابهم من أيدي الظالمين.. وهدى الله من يهدرون هذه التضحيات بلا ثمن، ويحولون أبطالاً لطالما عانقت أرواحهم حلم الشهادة على أعتاب الأقصى إلى مجرد ضحايا ومظاليم تدون بشأنهم البيانات وتستعطف المنظمات الحقوقية وتنظم الوقفات الرمزية.

- ولسان حال القوم يقول: والله ما بدأنا هذا الطريق إلا لننتصر أو نستشهد.. أما طريق الشهادة فقد خبرناه وإنها لميتة واحدة.. وأما طريق النصر فهل بينكم من يكون مرشدنا ودليلنا إليه يا قومنا؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.