المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة زكريا Headshot

زمــن رابعـــة.. شهادتي على المجزرة 1

تم النشر: تم التحديث:

"عندما يصبح الموت والحياة كخيطين رفيعين، أبيض وأسود، في اللحظات الأخيرة من الليل.. لا تدري أيهما سيكون لك مع ضوء الفجر".
(1) على أعتاب عُمْر
عذرا يا سادة.. فلست أضع بين أيديكم كتاباً تقرؤونه.. ولا أحداثاً تتابعونها.. ولا تاريخاً تحققونه.. ولا واقعاً تتدارسونه.. ولا مستقبلا تستشرفونه.. ولا قضية تبحثونها..
بل عمراً لتحيوه..
عمراً هو عمري.. أو هكذا كان حتى وقت قريب.. ولكنه لم يعد أبداً كذلك.. فمنذ ذلك اليوم صرت جزءاً من زمن آخر.. زمن رابعة.

.

فأنا الشعب المستضام أنا جرح السنين المروعات الغضاب
وأنا الآه والدم النازف غدرا.. أنا مسروق الصبا والشباب

ولرابعة العدوية في تاريخ أمتي حكاية.. يتقاسمها العامة والأصفياء.. يرويها الخاصة والدهماء.. يتمثلها الزهاد والغواني.. تجدها في كتب الرقائق وسير الصالحين، وتشاهدها على شاشة التلفاز في أحد المقاهي على وقع الألحان والدخان...

فقصة العابدة الزاهدة التي ولدت بمدينة البصرة العراقية عام 100 هـ/717 ميلادي، وتوفيت عن عمر يناهز الثمانين، واشتهرت بلقب "شهيدة العشق الإلهي"، انقسمت بين المؤرخين على وجهين، فمنهم من روى أنها بدأت حياتها كجارية ذائعة الصيت بجمالها وعذب صوتها في الليالي الخاصة، قبل أن تتجه إلى التصوف، ومنهم من روى أنها نشأت نشأة إسلامية ملتزمة واشتهر والدها بلقب "العابد"، وهكذا انتظم العشق الإلهي حياتها كلها، حتى رفضت الزواج وتفرغت فقط للتعبد.

وبين وجهي الغانية والعابدة.. بين التضحية بفلذات الأكباد والرقص على أشلاء الضحايا.. بين فتيات تنتهك حرماتهن في السجون وأشباه رجال يتفاخرون بمغازلة الطاغية قائلين "نساؤنا حبلى بنجمك".. تعيش بلادي زمن رابعة مجدداً بعد نحو ألف و227 عاماً على رحيل الزاهدة الشهيرة.

فهناك.. في ذلك الميدان الواقع شرقي القاهرة.. عاصمة بلادي.. والذي اكتسب اسمه من المسجد الذي بني فيه عام 1993 وحمل اسم رابعة العدوية.. هناك.. وتحديداً يوم الرابع عشر من أغسطس/ آب 2013 بدأت أعمار الآلاف تتوقف عند هذه اللحظة.. لتنتقل جميعها إلى زمن آخر مواز.. تلتحم فيه دون فرق بين كبير أو صغير، عالم أو عامل، غني أو فقير، يتنفس أو شهيد.. الجميع سلب منه عمره الخاص ولم يعد يحيا فقط سوى.. زمن رابعة..

فلا ندري.. هل أرواحنا التي دفنت مع أجساد الشهداء أم أرواحهم التي سكنت أجسادنا التي تتحرك بين الناس... كل ما ندريه أن الزمن كله قد توقف هناك.. ليبدأ زمن آخر.. زمن رابعة.

وأشتـاق شوقيـن.. شوق النـوى وشـوقاً لقرب الخطى من حمـاك
فأمـا الــذي هــو شــوق النــوى فمسـرى الدمــوع لطــول نـواك
وأمــا اشتيـــاقي لقـــرب الحمـــى فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك

وهل هناك أزمنة متوازية؟
نعم.. ولكني لا أتحدث هنا عما تناولته روايات الخيال العلمي حول هذا الأمر.. بل أتحدث عن حياتي أنا..
لم يكن عمري يتجاوز الحادية عشرة، عندما بدأت أكتشف أنني أحيا زمنين.. ولا أدري.. أهذا حال كل البشر أم حالي وحدي.. ولكن على كل حال بدأت أعتاد أن لي زمناً داخلياً ينتظم تصوراتي عن الحياة، منظومتي القيمية والسلوكية التي أختارها، آرائي التي أكونها، مشاعري التي أزكيها وتلك التي أهمشها، رؤيتي لعلاقاتي مع الآخرين ومسافاتهم المجالية من قلبي وعقلي، أحلامي، طموحاتي، اللحظات التي أختزنها وأستعيدها لأستعيد معها مشاعر معينة بين وقت وآخر... كان هذا هو زمني الداخلي..

أما الزمن الخارجي فهو المسار العام للحياة، والذي نتموضع فيه كأحد مكوناته.. بكل ما يحمله من سياقات سياسية واجتماعية وثقافية.. إلخ، وأحداث، وأشخاص، وتجارب، وعلاقات.. إلخ.

وبين فينة وأخرى كانت تحدث حالات تقاطع بين مساري الزمنين، كنت أسميها "لحظة صدق"، حيث تضطر للتوقف لحظات تتأمل فيها مدى تطابق أو اتساق أو تكامل أو تنافر المسارين الداخلي والخارجي، يعقبها مجموعة من الخلاصات تكون بمثابة إضافة جديدة لمنظومتك القيمية والسلوكية وموقفك من الحياة، ولبنة جديدة في بناء شخصيتك، تنقلك خطوة للأمام فيما يعتبره البعض "نضجا".. فلا تتقوقع داخل المسار الداخلي هارباً من الواقع، ولا تسمح للمسار الخارجي أن يقود منفرداً زمام حياتك، بل تحكم العلاقة بينهما بمفتاح سحري يدعى "التوازن".

أما إذا اعتبرت أن لحظة التقاطع هذه بمثابة الصدمة والكارثة وتعاملت معها فقط بمستوى عاطفي، فإنها ستمر وقد زادتك إما خوفا من الحياة أو تحفزاً ضدها، ولكنك أبداً لن تكون قد "تعلمت" كيف تحياها دون أن تتصادم مع زمنك الداخلي..

هذه أزمنتي المتوازية التي حكمت حياتي، حتى مجزرة فض رابعة العدوية.. حتى تلك اللحظة التي توقفت فيها عقارب كل الأزمنة عن الدوران، ليبقى زمن واحد.. يحتل كل المساحات.. زمن رابعة..

صُـدفَـةً شاهـدتُـني
في رحلـتي منّي إِلَيْ.
مُسرِعاً قبّلتُ عينيَّ
وصافحـتُ يَـدَيْ
قُلتُ لي : عفـواً ..فلا وقتَ لَدَيْ .
أنَـا مضْطَـرٌ لأن أتْرُكَـني،
باللـهِ ..
سـلِّمْ لـي عَلَـيْ !
"فليت الشباب يعود يوما.. بل ليت الحياة تحيا فينا مجددا"

وما يعنيكم أنتم من حديثي عن أزمنتي المتوازية؟.. ومن أنا حتى تتجشموا أصلاً عناء التضحية بسويعات من أعماركم، لتحيوها مع هذه الصفحات من عمري؟

الحقيقة يا سادة أنني لا أطلب منكم أن تفعلوا.. فلم أحيا هذا العمر لتتسامروا بحكاياته في ليالي الشتاء حول المدفأة،.. ولم أسطر هذه الكلمات لتقرأها عيونكم وتتأثر قلوبكم ببعض ما جاء فيها وتمر مرور الكرام على البعض الآخر، أو تقتنع عقولكم بمنطق بعضها وترفض تصديق الأخرى..

عفواً.. فلم أفعل ولن أفعل..

فقط كتبت لأنني- للأسف- لا أملك ما أقدمه لوطني وأمتي ولدماء الشهداء.. إلا هذا.. شهادتي على حكاية وطن.. توحدت فيه وتوحد فيّ.. فما الوطن إن لم يكن إنسانا؟!.. وما الإنسان بلا وطن..؟!

تُحْفَر خارطة الأوطان في قلوب أبنائها، وتستمد من أعمارهم حياتها.. ويبقى الإنسان وطناً يتحرك في الجغرافيا والتاريخ.
هي حكاية لا يميزها شيء عن سواها إلا أنها تحمل أنفاس بلادي.. أحلام وطني.. آلامه وآماله.. انتصاراته وإخفاقاته.. طموحاته وعثراته.. ثوراته وطغاته.. تفاصيله الصغيرة ومنعطفاته التاريخية.. وطن يحاول أن يحيا.. فقط يحيا.. والحياة عندي ليس لها إلا معنى واحد.. "الحرية".

فاقبلوا إن شئتم أن تحيوا معي هذه الحلقات.. أو تجاهلوها غير آسفين.. فأنتم.. "أحرار"..

وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ ما الَّذي بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟
أَوَ لَمْ يَكُنْ خَيْراً لِنفسي أَنْ أُرَى مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟
هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْرِي مُطْفِئاً ما ثارَ في جَنْبَيَّ مِنْ نِيرانِ
وَالظُّلْمُ باقٍ لَنْ يُحَطِّمَ قَيْدَهُ مَوْتي وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني
هذا حَديثُ النَّفْسِ حينَ تَشُفُّ عَنْ بَشَرِيَّتي وَتَمُورُ بَعْدَ ثَوانِ
وتقُولُ لي: إنَّ الحَياةَ لِغايَةٍ أَسْمَى مِنَ التَّصْفيقِ للطُّغْيانِ
أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخمِدَتْ سَتَظَلُّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ
وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني