المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة زكريا Headshot

زمن رابعة: الخائنة المبتسمة

تم النشر: تم التحديث:

الخيط القرمزي ينساب صابغًا النافذة البلورية الشفافة، ومن خلفه سحب الدخان الأسود تتصاعد نحو السماء.. أنظر من خلال الطبقات اللونية الثلاثة إلى الخيالات المتدافعة في كل صوب ككائنات خيالية في كوكب أسطوري قد غابت شمسه ليغمره الغسق القاني إلى الأبد.. تتضخم الأصوات وتبدو أكثر عمقًا.. وكأنها تتردد في قاع بئر سحيق.

أنتبه على نداء ينتشلني من لحظة ذهول: "بيقتحموا الميدان.. صحي البنات.. بس بالراحة عشان ميتخضوش".. كان هذا صوت د.إيناس.. إحدى طبيبات المستشفى الميداني والتي فوجئت بي مستيقظة وقد ارتديت ملابسي كاملة في الساعة 6.20 صباح الأربعاء 14 أغسطس/آب 2013... فقد كنت أستعد للذهاب لعملي في مكتب إحدى الوكالات الدولية، لأعود بعد الظهر لمتابعة الأحداث في الميدان.. ميدان رابعة العدوية.
انتزعت نفسي سريعًا من شاشة النافذة المكسورة التي جرحت إصبعي الأوسط حين انطلقت نحوها لأتابع ما يجري.. فدمي الذي سال على زجاجها البلوري الشفاف لم يكن أول الدماء التي تسيل في هذا اليوم ولن يكون آخرها..

سارعت بإيقاظ طبيبات وإعلاميات افترشن المساحات المتاحة من الأرض، بين معدات إسعافات الطوارئ التي تزاحمنا الغرفة الصغيرة بالدور الثاني لمبنى جمعية رابعة.. تلك الغرفة التي كانت حلمًا تمكننا من تحقيقه فقط قبل ثلاثة أيام، حيث حصلنا أخيرًا على موافقة لنقضي 5 ساعات من النوم فيها كل ليلة، بدلًا من أن نضطر إلى البحث عن خيمة أو استئجار منزل قريب من الميدان قد لا يمكننا من تلبية نداء "الواجب" في الوقت المناسب إذا ما وقعت الواقعة... وقد وقعت.
********************
المواجهة الأولى.. 2007
يسقط الهاتف من يدها وهي تصرخ بانفعال: أمي.. لا.. لا.. إنا لله وإنا إليه راجعون..
تتساقط دموع عزيزة على وجنتي أمي.. أضمها بقوة بين ذراعي، تنساب دموعها الدافئة على صدري، أشدد ذراعي عليها أكثر كأنما أحاول احتواء عاصفة حزنها بين جوانحي.. فجأة أشعر وأنا الفتاة العشرينية آنذاك أنني صرت أمًّا لأمي بعد أن فقدت والدتها.

أحببت جدتي فاطمة كثيرًا وحزنت عليها كذلك.. لكن دموع أمي التي انسكبت مع ضعفها على صدري لأول مرة في حياتها، قد حولت حزني إلى شعور آخر.. شعور بـ"الواجب"..

وفي دارنا بإحدى قرى دلتا النيل جلسنّ بعض النسوة المتشحات بالسواد وسط الدار المبنية بالطوب اللبن.. تستند إحداهن للباب الخشبي العتيق وقد أنهكها النواح والصراخ فيما تحاول أخريات إفاقتها بكوب ماء محلى.. إنها الكنة التي من العيب ألا تنوح على حماتها وفق عادات الريف.

في تردد أجتاز بصحبة والدتي العتبة الصغيرة لغرفة داخلية مدهونة بالجير الأخضر ومزينة بنقوش قرمزية قرب السقف الذي ظهرت عروقه الخشبية.. كانت هذه الغرفة من قبل "مندرة الاستقبال"، والآن أخليت من أي أثاث، عدا منضدة خشبية مائلة عند أحد طرفيها، تمدد عليها جثمان جدتي المغطى بملائة بيضاء، فيما خالتي الصغرى تقف عند رأسها لتقرأ القرآن، وأمي تقبل جبينها.. وتنظر إليّ لأحتذي بها.. وأقبل الجثمان المسجى.. وكانت أولى لقاءاتي مع الموت وجهًا لوجه!!!!
**********************

عداد الموتى
هل يمكن أن تعتاد مواجهة الموت؟!.. ألمه؟!!.. رائحته؟!!.. اختلاط أنفاسه بالهواء الذي تستنشقه؟!!..

كنت أهبط الدرج مسرعة نحو المستشفى الميداني في الطابق الأول لأمارس الدور الذي اعتدته -منذ 48 يومًا- من توثيق لصور المصابين والضحايا، وأحصل على تصريحات الأطباء والأهالي، وروايات شهود العيان، لأنقلها مباشرة عبر خط هاتفي مفتوح إلى زملائي في مقر الوكالة..

الرصاص ينهمر على مبنى المستشفى الميداني، آتيًا من المنطقة العسكرية المقابلة، والعمارات المرتفعة المحيطة بالميدان، فيما ألسنة اللهب والدخان تتقدم المدرعات الثقيلة القادمة من يمين المستشفى وتحديدًا مدخل "طيبة مول"، وهتاف المنصة "طريق للإسعاف" يرتفع في الأرجاء مختلطًا بأصوات التكبير وشهقات اللحظات الأخيرة للعديد من الضحايا المنقولين على الأكتاف، والسيارات والعجلات والدراجات البخارية، أو أي وسيلة نقل متاحة في هذا الوقت...

مع تزايد أعداد الضحايا التي باتت تستعصي على الحصر تطرح عيون الجميع نفس السؤال الحائر مع دمعة حائرة تأبى أن تنحدر فتنهار معها معنويات الأطباء والإعلاميين الذين يحفظ صمودهم في هذه اللحظة شيء واحد.. الشعور بـ"الواجب".

أتحول من صحفية إلى مجرد "عداد للجثث".. فأعداد المصابين لا يمكن حصرها، فقط ما يتاح نقله من الجثث هي التي يمكننا إحصاؤها.

استمررت في إبلاغ زملائي أن عدد الجثث قد بلغ 10.. 25.. 70.. 100.. وأخيرًا لم يعد بإمكاننا الحصر.. فقد تحول المئات من الشباب والنساء والرجال في بضع ساعات إلى مجرد أرقام، لا يمكن حتى تكفينهم.. ويكتفي المعتصمون برصهم في القاعة المجاورة للمستشفى الميداني، وقاعة المركز الإعلامي، والقاعة الرئيسة بمجمع رابعة، ومسجد رابعة، والأدوار الأربعة لمستشفى رابعة، فضلًا عن المشرحة...
فقد قرر الانقلاب تحويل الميدان إلى "مقبرة بارك"..
**************

"الواجب".. مؤقتًا
هل أجرح أمي بترددي في تقبيل "الجثة".. هي جدتي نعم.. ولكنها الآن "جثة"..
تحاملت على ترددي.. ومع اصطدام شفتاي ببرودة جبينها، كان حاجز الوهم يتبدد شيئًا فشيئًا، ناثرًا معه مخاوفنا المعتادة من مواجهة الموت.. وهنا تقدمت معلنة تطوعي لتغسيلها بنفسي.

طوال الساعات التالية وحتى توديع جدتي إلى مثواها.. كان اطمئناني يزداد وينعكس على من حولي.. بينما تتضح العبرة من مواجهتي الأولى مع الموت: "كلما زاد إحساسك بالواجب في وقت المصائب كلما زاحم ذلك حزنك.. ولو مؤقتاً".
*******************

العهد
"سأكون آخر من يخرج من الميدان".. قلتها لأمي الملتاعة وهي تحدثني هاتفيًا ونبضات قلبها تختلط بصوتها.
هذا عهدي ولن أبدله.. يجب أن أرصد وأوثق كل شيء لآخر لحظة.. هذا "واجبي المهني"..
يجب أن أعيش كل تفاصيل الحدث الجلل الذي تمر به بلادي.. لن أغفر لنفسي إن فاتني شيء في لحظة يكتب فيها تاريخ جديد.. هذا "واجبي الوطني"..

أكثر من 12 ساعة كل ما تصافحه عيناي هو لون الدماء وسحب الدخان وفوهات بنادق القناصة، ودموع ألم مختلطة بدموع الاختناق من دخان الغاز الحارق.. أدور بين الأجساد المسجاة في كل مكان ألتقط صورها على الموبايل، مثلما يفعل الجميع، حتى إذا متنا جميعًا لابد سينجو أي هاتف أو كاميرا أو "memory card" يشهد على ما حدث في هذا اليوم..

أتوقف أحيانًا للتهوية على شخص يحتضر بقطعة من الكرتون المهترئ ليلتقط أنفاسًا صارت شحيحة مع إصابته القاتلة، التي يضاعف ألمها لهيب شمس أغسطس و التكدس داخل غرفة المركز الإعلامي..

كانت الساعة تقارب السادسة مساءً.. انقطعت الاتصالات وأصبحنا محاصرين داخل قاعة المركز الإعلامي التي قسمت إلى 3 أجزاء.. الأول للشهداء والثاني للمصابين والثالث لما استطعنا نقله من المستلزمات الطبية ووقفنا نمد بها المصابين دون أن تحقق أي جدوى..

أخبرني أحد الزملاء أنه لا بد أن نخرج جميعًا الآن لأن المهندس أشرف بدر الدين عضو مجلس الشعب عن حزب الحرية والعدالة، وصل لاتفاق مع القوات التي سيطرت على المكان خارج القاعة، ليسمحوا لنا بالخروج من البوابة المجاورة لمستشفى رابعة في الشارع الخلفي للميدان..

سألته عن المصابين والشهداء.. فلم يجبني وأصر على أن نخرج لتكون المجموعة كبيرة، وينجو من تبقى من الأحياء..

خرجنا مرتدين أقنعة الغاز.. بين صفين من الجنود مشرعي الأسلحة.. ألسنة اللهب ترتفع من كل مكان.. وعند البوابة أمرونا بإلقاء الأقنعة، وكاد أحدهم أن يطلق النار علينا عندما صاحت فتاة: حسبنا الله ونعم الوكيل..
ثم بدأت الرحلة لمسجد الإيمان سيرا على الأقدام..
********************

الخائنة
الكثير يحبون اللحم.. يستمتعون برائحة شوائه.. ولكنه بالتأكيد ليس اللحم البشري.. والذي لم أكن أعرف له رائحة حتى ذلك اليوم.. ففي منتصف الطريق الشاق من ميدان رابعة لمسجد الإيمان استلقينا نلتقط أنفاسنا حول نافورة مياه.. وما كدنا نجلس حتى ارتفعت من خلفنا سحب الدخان إلى عنان السماء من مستشفى رابعة الذي كانت الجثث تملأ مشرحته وغرفه، والمصابون يفترشون الدرج وكل سنتيمتر في أرجائه.. وكان للدخان رائحة غريبة.. رائحة شواء لحم بشري!

لم أتمالك أعصابي.. تتناثر ذرات التراب الذي أضربه بقدمي في غضب.. أصيح على زميلي صاحب اقتراح الخروج، وسط الطريق الذي بدا خاليًا، بينما كان البعض يراقب المعركة متخفيا خلف زجاج نافذته.. والبعض الآخر يتدلى شامتًا من بلكونته..

وقف من حولي مشدوهين أمام ثورتي وأنا أطرق بيديّ على إحدى السيارات صائحة: لماذا؟!!.. لماذا تركتهم؟!!.. كنت أعلم.. كنا جميعًا نعلم أنهم سيحاولون إخفاء جريمتهم بهذه الطريقة البشعة..

بدا المشهد كأن الزمن والهواء وكل شيء تجمد.. عدا صوتي الصارخ.. فيما نار أخرى تتأجج بداخلي.. وإحساس لم يفارقني حتى اليوم ولا أظنه يفارقني قريبًا.. إحساس بالخيانة...
****************************

المبتسمة
كيف كنت في ذلك اليوم؟!
سؤال أطرحه على رفاق المجزرة، كلما أرقني شعوري بالخيانة وعدم الوفاء بعهدي أن أكون أخر من يخرج من الميدان.

إجابة الجميع واحدة: "كنت دائماً مبتسمة.. حتى تلك اللحظة التي انهرت فيها.. لقد صدمنا.. لم نكن نتوقع ذلك منك إطلاقًا"..

أتحسر في أسى.. فهم لا يعلمون أنها لم تكن سوى "ابتسامة الواجب، وحين نخون الواجب ترحل الابتسامة..".

فقط من يؤدون الواجب يمكنهم أن يبتسموا.. فهل نستطيع اليوم أن نبتسم؟!.

فسلام على أرواح هؤلاء الذين وثقوا عهودهم بالدماء فيما نرددها نحن شعارات على الفيس بوك.

سلام لأولئك الذين يضحون بحياة كاملة، لنتحدث نحن عنها في تقرير لبضع دقائق أو حتى ساعات.. ونحصل في المقابل على راتب نهاية الشهر.

سلام على أولئك الذين تنتهك أجسادهم خلف القضبان لنتأنق نحن متحدثين عن حقوقهم أمام الكاميرات.