المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

حقوق المرأة والجدل البيزنطي

تم النشر: تم التحديث:

معلوم أنّ الإسلام قد رفع للمرأة شأناً وحفظ لها كرامة ومنزلة، ومعلومٌ أيضاً -ولا يحتاج للمزيد من شروحات تفسير الماء بالماء- أن الإسلام شرع المقتضيات في التعاملات بين النّاس رجالاً كانوا أم نساءً.

كل ذلك من بابه إلى بابه معلوم للعقلاء، والإفاضة في الحديث عنه كالإفاضة في قول "أنا موش قصير قزعة.. أنا طويل وأهبل"! -كأسلوب إقناع ذاتي غرضه الرئيس- نفخ الأنا!

تلك الحقوق، التي وفرها الإسلام للمرأة، والتي شُرعت منذ 1400 عام والتي أيضاً لا يزال النّاس في جدلٍ حولها إلى اليوم، تدفع بالمرء للتساؤل حول الثغرة! الثغرة المنطقية، هي مفهوم فلسفي في المجادلات قديماً، كأن يكون الجدل هو أن الشمس "منيرة" جدلاً غير منطقي (لأنه غير بناء) لا يضيف جديداً.. والاستمرار في تعاطيه (جدل بيزنطي)!

والجدل البيزنطي كان فيه ثلة من الناس يجتمعون في ساحة، فيقوم أحدهم فيقول: "إن السماء زاهية اللون"؛ ليجيب عليه آخر: "بلّ الأرض خضراء"؛ ليقوم آخر فيقول: "ماذا دهاكم؟ إن اليوم إجازة رسمية"، ورابع وخامس وعاشر.. حتى يصيبهم الإعياء وقلة الجلوكوز بالدم، فيخلدون للأكل والشرب والنوم مُؤجلين بقية مناقشاتهم المفضية إلى لا شيء لليوم التالي.

الحقيقة أن الإسلام جاء منظماً للحقوق، وتلك ليست بمعلومة جديدة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق"، فالأخلاق كانت إذن موجودة ينقصها التمام والتنظيم، وبالنسبة للمرأة كانت على صنفين؛ الشريفة في أهلها (إما ثراءً أو بالحسب والنسب)، والفقيرة التي في ضعاف القوم وفقرائهم، أما الأولى فكانت تلك حقوقها محفوظة، ميراثاً، وزواجاً، وكرامةً، وأصلاً وعفةً، ولا يقدر على هضم حقها أحدٌ، وكنّ يمتلكن المال والتجارة، ويسافرن في جميع بقاع الدنيا، ويخترن أزواجهن، ويتصدرن القوم بالرأي والمشورة، ولا يمس طرف ثوبها بشر، فهي "حرة"، وتلك فلسفة عميقة في المجتمع آنذاك، فالحرة لا تزني ولا تسرق ولا تفعل أفاعيل "الأَمَة" وضيعة النسب، (إذ لرفعة شأنها كحرة، سياجاً يمنعها من الزلل = المكانة الاجتماعية وليس مخافة الله)!

والنوع الثاني (نساء الطبقات الدنيا الفقيرة)، أضف إلى ذلك الجواري والإماء (اللواتي يبَعن ويشترين في الأسواق)، فمآل حالهن إلى ولي أمورهن، فالكثير منهن لقين حتفهن أطفالاً بالوأد، والتي نجت لأي سببٍ من الأسباب عاشت تحت رحمة السيد (الأب - الأخ - الزوج - وحتى الولد!).

فلما جاء الإسلام، رفع (انتبه هنا) شأنَ المرأة الفقيرة الضعيفة؛ لتصبح في مساواة مع تلك الحرة الثرية الشريفة، ليتساوين جميعاً في حرية "التملك"، حرية "التجارة"، حرية "السفر"، حرية "الميراث"، حرية "الموافقة على الزواج"، وغيرها من الحريات التي كانت تمارسها وبقوة امرأة الجاهلية الشريفة! إذن فالإسلام، إنما جاء ليُنظم ما كان موجوداً ولم يبتدع!

كلُّ ذلك من تشريعات قرآنية، أو وصايا وأوامر الرسول، وما عقب ذلك من تأويلات تفسيرية على يد الأئمة - مفهومٌ ومعلوم.. لكن ننسى دوماً أن القانون يلزمه تطبيق.. والتطبيق "أمر فردي" لا معيار له، فالقرآن يأمرنا مثلاً، بالصلاة والزكاة وذكر الله كثيراً، في استطاعتي باستفتاء بسيط أن أخرج بحوالي 10% فقط من أصدقاء فيسبوك من يقيمون تلك الثلاث منتظمة، وعلى أوجهها السلمية، أليس كذلك؟!

في حقيقة الأمر، التسلّط هي إحدى طبائع الرجل المرتبطة ارتباطاً قوياً بوجوده كإنسان، فتهديد قدرته على "فرض رأيه" = تهديد مباشر لوجوده كإنسان، بعكس طبيعة المرأة؛ لأنها الأقدر على لُعبه (خدوهم على قد عقولهم!).

رغم أن المرأة حرة منذ ما يزيد عن 1400 سنة، لا يزال هناك رجالٌ (إلا ما رحم ربي) إذا ما هيأت لهم الظروف وجود "أنثى" تحت تصرفهم الكامل (أخت - أم - زوجة - أي صفة) يتسلطون عليهن ويسلبونهن أحياناً حقوقهن "البشرية العادية" في كونهن "إنسان"، فما بالك بالميراث والنكاح وغيره!

لذا شعارات من قبيل "الإسلام أعطى الحريات للمرأة..."، ما عادت مجدية.. ومهلهلة وبعيدة عن التنفيذ الواقعي الذي يلفظ لنا بملايين الجُهال (المنتسبين أحياناً إلى ما يسمى بمجتمعات "الإسلامويين") كل يوم ما زالوا يناقشون ماذا أعطى الإسلام للمرأة!
كوميديا سوداء! أليس كذلك؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.