المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

دروسٌ بالجُملة.. نقد وامرأة ودين وجنس

تم النشر: تم التحديث:

هناك ما يُسمى "ألف باء" فن النّقد وأصول كسبِ معركة الجدل!

أما اللف والدوران في فرعيات لا تمت للنقطة بعينها، تلك التي استفزتك للنقد والأخذِ بها "مُنحدِرا" نحو ضربات تحت الحزام من أمثلة (ما أنت كذا كذا - وأنتِ فعلتِ كذا وكذا - وشوفوا الذي فعلتموه وقت كذا وكذا) = هو ما يُسمى باللغة الدارجة "شرشحة"، وهو صنيعةُ ضِعافِ النّفسية وضعاف الأسلوب النقدي كذلك!

ولندخل في التفاصيل مباشرة، مع الإشارة إلى أنني هنا لست بصدد تبرئة فلان ولا علان بخُدع الفلسفة.. أنا في هذا المقال أحاول - مُجتهدةً - إلقاء بعض الضوء على كيفية النقد وبكل حِذق "المنطق والاحترافية" دون اللجوء لضربات تحت الحزام "الرديئة":

مثال 1:
قامت إحداهن بنشر صور استعراضية لها وهي "حاسرةُ الرأس" في أحدِ المساجد المهدمة - جراء العدوان الأسدي على المناطق المدنية - بسوريا، فقامت الدنيا ولم تقعد.

كانت كلّ أنواع السباب الموجه لتلك الفتاة وتكييلها من باب (يا حاسرة الرأس - يا كفّار - ما كفاكم خربتوا سوريا) ثم التمادي في الخوض أكثر فأكثر في شرفِ الفتاة وسلوكها، ثم التشكيك في انتماءاتها السياسية.. وهكذا.

حسناً.. كان حرياً بالنّقد أن يجعل دورانه في فلكِ نقطةٍ واحدة فحسب ألا وهي (أخذها صوراً استعراضية في خلفية مسجدٍ مُهدم)! وذلك مما لا شك فيه عدم مراعاة صارخة للأخلاقيّات الإنسانية البديهية (فوحدهم "الوحوش" الذين ينامون ويأكلون ويتعاشرون فوق الجثث التي أكلوها).. والموقف بمجملهِ كان استهتاراً بأرواحٍ قد ضاعت دفاعاً عن تلك البقعة وصلوات عُطلت، وذلك عند الله كبير!

أ) النقد السليم للجمهور: كان من الممكن الاستفادة من السقطة الفنية التي وقعت فيها تلك الفتاة ومن ورائها من طاقم تصوير وإخراج، كأن يبدأ النقاش حول [لمَ تتصورين في باحة مسجد مهدم بأوضاع "عروض الأزياء"؟!.. كان حرياً بكِ أن تحاولي تغطية رأسك (بحجاب كالذي ترتديه الفتيات الإيرانيات "الشيلة" - وهو بالمناسبة ما أقدمت عليه العديدات من مشاهير العارضات الغربيات حينما نفذن نفس الفكرة (فكرة تنفيذ جلسات تصوير للأزياء بالأماكن المقدسة "sacred places") فغطين رؤوسهن لقدسيّة تلك الأماكن)].. هذه النقطة = (النّقد الفني) فحسب كفيلة بتثبيت رأيك في النقد تثبيتاً قوياً!

أما ذلك الانحدار السلوكي - العدوان اللفظي - في شرف الفتاة - سلوكها - انتماءاتها.. فكان كله قصوراً عقلياً غيرَ قادر على النقد وبالتالي كان حرياً به ألا ينخرط فيه منذ البداية!

ب) الحل للطرف المُلوم: إن ذلك كله يا عزيزتي كان خطأً فادحاً من فكرة الإخراج التي دعمت جلسة التصوير تلك؛ إذ هل اختفت كل الأفكار والأماكن الأخرى التي بإمكانك التبختر بها على راحتك دونما إثارة حفيظة المشاهدين؟! لقد قمتِ - مشكورة - بارتداء "بشت" محتشم.. أفلم يكن لجميلك هذا أن يكتمل وترتدي "سحاب رأس".. على الأقل كمجاراة لموضة عارضات أوروبيات كُثر أقدمن على نفس الفكرة - السمجة - قبلك وارتدين غطاء رأس رمزياً؟!

مثال 2:

أحد الشيوخ المتخمين بالملايين من المريدين والأتباع والمتابعين حول العالم [وبالتالي الملايين - حرفياً - من الهدايا والنفحات وخلافه..].. لا يلتفت كثيراً في كلِّ موقف والثاني يُلقي فيه محاضرة "نارية" مثيرة للجدل، يتم تصويرها وبثها عبر كل منافذ "السوشيال ميديا"، لخطورة "وزن" ما يقول وأثره على المسامع.. وذلك منشؤه أن الأتباع يقومون بالعمل الواجب على ما أحسن ما ينبغي! "السمع + الطاعة + دحر الرأي المضاد بالفخيم من التبريرات المطعمة بمقولاته ومآثره وما إلى ذلك".. قد قام مؤخراً بانتقاد "نساء الدّنيا" في كلامٍ كثير - كنوعٍ، (كما ذكر المدافعون عنه من الأتباع، وللعجب أكثرهم من النساء) من التنفير من رذيلة "الزنا" والوقوع في فتنة اشتهاء النساء المحرمات دون زواج، فأسهب الشيخ في قدحٍ ظالم تورط في مقارنة مضحكة بين "نساء الدنيا"، و"الحور العين".. فجعل يعدد "مساوئ" نساء الدنيا (كما هو مفهوم من كلامه) البيولوجية - كالتبول / التغوط / الحيض الشهري / النفاس.. ضمن كلامٍ كثير جداً.. قائم على فكرة ساذجة وغير مقبولة بالأساس، مستشهداً كما حدد باللفظ بحديثٍ عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والذي ثَبت قطعاً أنه ليس حديثاً للنبي ولم يرد عنه أبداً.

وهنا - قبل الدخول في تفصيلة النقد الاحترافي لفعل ذلكم الشيخ - لي تعليق "منهجي" للنساء اللواتي راعتهن المقارنة الظالمة.

عزيزتي "ابنة الدّنيا".. هل يخطر ببالك ولو ثانية أن تتساوى تلكم المرأة المسلمة التي عانتْ مرارة فِتن الدّنيا وتقلباتها في الاشتهاء / والمعصية / والذنب / وخوض رحلةِ معرفة الله واكتشاف مقاصده فيها.. ثم أخذ الله بيدها نّحو نفق الهداية والنور.. وباءت بنعمةِ الدخول إلى جائزته الموّفرة ليومٍ عنده علمه.. وبين تلك المخلوقة لتنام وتقوم في جنةٍ ليس بها ثمة شر على الإطلاق؟!
ذلك والله ضربٌ من خِبال!

إن امرأة الدُّنْيَا سيدة الجنة والباقيات مجرد خدمها! ووجودهن في الجنة كمكافأة للرجل المؤمن تماماً كفلسفة وجود جواري بحاشية الملك.. والجارية لن تحوز أكثر من "المعاشرة" رِفعة! فيما تبقى زوجه الدّنيوية كأجملِ خِلقة وأعلى منزلة! يُغيّرها الله خلقاً جديداً فتُصبح جمالاً لم يوصف كصورةِ أجمل جميلات الدنيا قاطبة (ويقال إن تلك هي صورة "حواء") كما يُبَدِّل الله خِلق الرّجال أيضاً ليصبحوا جميعاً على أجملِ خلقة الرّجال قاطبة (وذلك وصف يوسف الصديق عليه السلام)!
حتى أولئك الذين/اللواتي لم يتزوجوا/ ولم يتزوجن في الدُّنْيَا.. يجد الله لهم/ ولهن رفقاء/ ورفيقات الرُّوح من الدّنيويين قبل مكافأتهم!
ووصولاً لنقد هذا المثال نقول:
أ) النقد السليم للجمهور: إن الاستشهاد بـ"حديث موضوع" لا نصيب له من الصحة أبداً أقام "الشيخ" عليه فكرته في "التحذير من الوقوع في نتن فتنة النساء" هو حجر الزاوية الرئيس للنقد؛ إذ ليس بعد التّقول على الرسول من "شيخ" مفترض لديه خلفية معتبرة من "العلم الشرعي" ويعلم قطعاً ما جزاء المتقولين الكاذبين عليه "صلوات الله عليه وسلامه" في الدنيا قبل الآخرة، ما قد يكون ضربة المدفع التي تخرق أية "دانة"!

هذا بالإضافة إلى تطعيم نقاشك بما هو ملءُ العين والسمع من أحاديث الحبيب "الصحيحة" صلى الله عليه وسلم مدحاً وتدليلاً في زوجتيه "عائشة"، و"خديجة"، والكثير الكثير من سيرته هو وصحابته والطبقة الشريفة المتاخمة لهم، ولمواقفهم مع نسائهم، حباً وكرامة وتقديراً.

أما أن تنتقده بكلام مثل "أنت متزوج من أربع نساء، وطلقت 44 غيرهن، فلمَ لا ترى فيهن النتن؟" وكلام من هذا القبيل.. فذلك كما ذكرتُ آنفاً فِعل "هواة" يميلون للـنقد "الرديء" الغالب عليه قصور العقل وسوءات اللسان!

ب) الحل للطرف الملوم: من الأفضل لك أيها "العجوز" العودة لقراءة كتب السيرة والحديث الشريف قبل بناء فكرة على مقولة مسروقة من السياق الخطأ تنتشر عبر منافذ "السوشيال ميديا" كالنّار في الهشيم! إن كنت حقاً قاصداً "وعظاً" لا "شهرة"! إذ ثمة مثل غربي يقول: "Haters are good for the business!"
وصولاً إلى ها هنا.. يمكننا القول، وللأسف: معظم تفكيرنا "الجنسي" (خاصة ذلك الخارج من جلسات المحسوبين على التيارات الدينية) ساذج ومبني على الخرافات وتضخيم لما تخلقه أحلام اليقظة واستقاء ثقافة جنسية من ضِعاف التفكير والهِمة ومتصدري المشاهد الاجتماعية ومنافذ "السوشيال ميديا" بحكم التصدر للدعوة (كما يُشاع) أو بحكم شُهرة الصدفة أو ما إلى ذلك من مسببات كثيرة! تماماً كأولئك السُذَّج المساكين - على الضفة الثانية من النهر - الذين يَرَوْن في شخصية "روئه" خير نِسَاء الدُّنْيَا.. ويظلون في كل حسرة يبحثون عن "الكوبي - بيست" لها وقلوبهم متأسفة تُقارن بين تلك وهذه.. ولا تشبع!.. ولو أنّهم مدّوا أعينهم في رويّة لوجدوها في "أمهاتِهم"، و"أخواتِهم" و"زوجاتهم" وإلخ! إذ كلُّ "امرأة = روئه" إذا عَشقتْ! وإن كانت رائدة فضاء!

ليس ثمة ما يعيب الرّجل في اشتهائه النِّسَاء (إذا ما استطاع لضبطها سبيلاً - كالزواج والصوم وممارسة الرياضة)؛ إذ تلك جِبلته التي خلقه الله عليها! كما جَبل الله امرأة الدُّنْيَا على حب واشتهاء ذلك الرّجل بالرغم من كونه من أهل الدُّنْيَا.. عادي وضعيف وهوائِي ويتغوط ثلاث مرات في اليوم! إن مغالطة تلك الفِطر السليمة في الحب والاشتهاء - ما دام مُحللاً لنا - هو أساس تشوهات سيسو-فيسيولوجية خطيرة نتائجها متفاوتة الفداحة.. بين الزيجات الفاشلة والبيوت الباردة والتحرش وغيره.

وكتلخيص، علينا أن نضع نُصبَ أعيننا تلك القوة التي تمتلكها أدوات "السوشيال ميديا" وتأثيرها على حياة الناس، حتى البسطاء جداً منهم، حتى صارت الخطر الأقرب المفضي لحتف أحدهم (حرفياً) ذلك الذي نتناوله بكل إصرار في مجرد كبسة زر! قد يُفصل أحدهم من عمله ويخسر آخر قوته وقوت عياله أو يتعطل تخرج آخر؛ لأنهم وبكل أريحية ودون روية تعقّل قفزوا طوعاً في خضم قذر، أمواجه عالية، ومكشوفة للجميع.. الجميع بلا استثناء!

لا يجدر بالمرء (وأشدد على تلك النقطة مرارا) أن يجعل حساباته على السوشيال ميديا مرتعاً يقول فيه كل شيء بلا روية.. ويرى كل العالم كل شيء فيه بلا رقيب.

وأخيراً -وأخص بالذكر هنا جمهور التيار الديني العريض- لا تكونوا تروساً في معارك غيركم الفارغة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.