المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

لعبة chicken hunter

تم النشر: تم التحديث:

الساعة 2 ص
"لا وجود لأي شبه تحركات نحو الميدان، الوضع يبدو مطمئنًا نوعًا ما، وجميع المعتصمين في خيمهم وقد استعدوا لصلاة الفجر" - مراسل الجزيرة العربية /فجر 14 أغسطس..
هناك شيء غير مطمئن.. أول مرة يصيبني الخوف على أحد لا يمت لي بصلة.. اعتدت أن أرى أحلامًا مزعجة بخصوص من سيصيبهم أذىً ما ممن أعرفهم جيدًا.. لكن هؤلاء النفر.. كيف؟
لا أستطيع النوم.. أتنقل بين الأخبار.. أي حماقة ارتكبوا.. أي حماقة ارتكبنا جميعًا.. لا شيء مضمون والمسبقات كانت موجودة بل أكيدة.. رغم النفي.. رغم الطمأنة..
مونت كارلو.. بي بي سي.. الجزيرة الإنكليزية.. كل شيء حتى الآن لا يشي بشيء.. رأسي يفتر من كثرة التقارير والمداخلات والجميع هذه الليلة مستعد على غير العادة.. شيءٌ ما في الأفق.. شيء بشع!

الساعة 4.30 ص
أستسلم لإغفاءة.. جهاز حاسوبي بجانبي.. أستمع لبعض الموسيقى لتهدئة روع مجهول أشعر به.. ما الأمر؟ لا أدري ما الأمر.. أستيقظ فجأة.. إيميل من العمل.. "تذكير، اليوم تسليم مشروع كذا..".. أففف على المشاريع.. عودي للنوم عودي لا شيء سيحدث.. أنت واهمة ومتعبة فحسب.. إذن، لا مانع من ترك التلفاز مشغلًا على الجزيرة الإنكليزية.. أخفضي الصوت فحسب ونامي.. هكذا أقنعت نفسي..
نمت..
أسمع أصواتًا كثيرة.. كأن أحدهم يقرع صفيحًا.. صوت فظيع.. وناس.. أصوات ناس وكلام ولا أدري أين.. الرؤية كلها سوداء.. لا أعرف ماذا أفعل.. لا أتنفس.. اللعنة؛ نسيت أن آخذ دوائي قبل النوم.. استيقظي.. الآن استيقظي وإلا فستموتين.. أبحث عن منفذ.. أخرجوني من هنا.. استيقظي هبة.. اللعنة تنفسي.. تنفسي.. هااااااااااااااااء..

أبكي بصوت عالٍ.. ماذا حدث.. كدت أموت.. ما هذا.. اللهم اجعله خيرًا.. كم الساعة.. أتحسس بجوار فراشي لأجد هاتفي.. مغلق.. يا الله أشعر بالدوار.. كم الساعة يا بشر.. لم جهاز التلفاز مغلق.. ربما بسبب الأوتوكلوز.. أين الريموت.. أبحث حولي في الفراش.. ها هو.. أشغل التلفاز.. لا أرى شيئًا.. أقوم وأبحث عن نظارتي.. في العادة لا أحتاجها إلا في القراءة غير أن رؤيتي كانت مشوشة بالكلية.. ما هذا.. أرفع صوت التلفاز

.. They are breaking-up the sits-in ..They are using ammunition shots.. a lot of bodies everywhere .. / مراسل الجزيرة الإنكليزية ..

أقفز.. في دقيقة كنت أمام التلفاز..

A lot of troops are spreading all over .. They are shooting any moving object.. even reporters .. I saw couple of bodies in my way here to this hideout. There is no way to get out of here ... Medics are not allowed to come over.. They have been held out by forces ... People are holding the wounded on shoulders to the nearest hospital .. / مراسل الجزيرة الإنكليزية

ساقاي ما عادتا تحملاني.. أصرخ بصوت لم أسمعه No No No No No God No..

أسقط على الأرض على ركبتي.. كان الحلم حقيقيًّا إذن.. أحملق في الشاشة.. لا أعلم لكم من الوقت مكثت.. كل ما أتذكره أني كنت أبكي وأردد Traitors Traitors God Damn Traitors..

أستسلم للنوم في مكاني.. في وضع الجنين.. والصوت في أذني.. صراخ وصفيح.. وأبكي

الساعة 3 ظهرًا
أقوم فجأة.. لم ينتبه لي أحد.. الجميع بالعمل.. أقوم متسندة على الجدران.. لم يكن التلفاز مغلقًا هذه المرة.. أجرجر نفسي حتى أقرب كرسي.. أسمع وأنا صامتة جدًّا.. حسنًا لقد توقعت كل هذا.. توقعته ورأيته قبل أن أراه.. ومت فيه على ما أحسب.. أنا الآن مجرد ناج تعس.. أرى الماضي يمر.. الأشباح تمر.. الصرخات تمر.. الجثث تمر.. الحريق يمر.. المستشفى السلخانة تمر.. الأدمغة المتفجرة تمر.. صدر الشاب المشقوق بأقذر آلة جراجية رأيتها في حياتي تمر.. الجثث المكومة في الحر تمر.. السيدة الباكية تمر.. الشاب الذي يتقيأ دمًا يمر..

أهرع إلى المرحاض.. أتقيأ كل أحشائي.. وأقوم لأغسل وجهي.. أنظر للبؤس في المرآة.. ويبدأ نحيبي كتلك التي تبكي بجوار جثة زوجها.. أصرخ وأبكي وأحطم كل ما أمام المرآة على الأرض.. وأجلس على الأرض أضم ساقي نحو صدري وأبكي.. اللعنة كيف يفعلون هذا.. كيف.. كيف؟
وصوت المراسل لم يتوقف لحظة عن نقل ما في الميدان.. فلان وفلان وفلان لقوا مصرعهم.. فلانة بنت فلان لم يستطع المسعفون إنقاذها.. فلانة توفيت في الميدان ولم ينقلها أحد.. فلان مررت به مصابًا.. والآن يستعدون لحرق الخيم..

الساعة 5 عصرًا
أستجمع شجاعة باقية.. أدخل الفيسبوك.. صور واضحة.. موتى وقتلى ومحروقين.. صور تصك الرؤية.. صور لم أر في بشاعتها في حياتي.. يا الله.. حلقي جاف كالصحراء.. دوار يعصف برأسي.. وضغط دمي كله أصبح في عيني.. ماعدت أقدر.. كيف يفعلون هذا؟؟ كيف؟؟ تلك خيانة.. أين الاحتياطات.. أين التأمين.. أين الخطط البديلة.. أين مخارج الميدان.. أين الحمقى.. أين أولاد الكلب؟

غضب لم أشعر به في حياتي.. ولم أعد أشعر به أبدًا.. قذفت كل ما حولي أرضًا.. أقلب في القنوات.. أسمع كل لغة.. كلها عن الخيانة نفسها.. كلها عن الحيونة نفسها.. كلها عن أولاد الكلب نفسهم.. كلها عن الخونة والدم والتفحم.. كلها عن الأبرياء.. عن 2000 يموتون الآن وأنت واقف لا تقدر أن تفعل شيئًا سوى أن تظل صامتًا تشاهد لعبة الـ Chicken hunt ...
Chicken hunt ... يا ولدي

يا شيخ يا عجوز.. يا سيدةً بلا حيلة حتى لم تقو على الركض.. استسلمت للموت في مكانك.. يا فتاةً تهتِ عن البقية.. يا شابًّا مضرجًا في دمائه.. يا دماغًا متفجرة الله يعلم لمن تعود.. يا لعبة Chicken hunt حقيرة..
والعداد يزداد.. 100 200 500 1000.. وأنت واقف.. الأبرياء واقفون ينتظرون الرصاصة التالية.. العالم كله واقف.. الضمير الشرف الإنسانية أخذت إجازة.. الله كان شاهدًا أيضًا..

فقط الدموع هي ما كان يجري.. النحيب.. وأولاد الكلب كأشباح جهنم يجرون في كل مكان أيضًا..

أما الكون كله فقد قرر.. أن يذهب للجحيم يومًا ثم يعود..!!

قلبي.. أشعر أني لا أستطيع التنفس.. الدخان في الميدان يخنقني.. الأعيرة النارية غربلت صدري.. دقات قلبي أسمعها في عنقي.. يا الله.. أختنق.. أسند رأسي على الطاولة.. أغيب عن الوعي..

الساعة 7 م
أستيقظ.. أذناي.. الصداع قاتل.. لا أقوى على التحرك من مكاني.. لا أشعر بساقي حتى.. أمد يدي نحو الريموت أغلق التلفاز.. أغلق الفيسبوك.. أعود على الإيميل.. 10 إيميلات تذكير عن المشروع.. تريدون المشروع إذن.. سيكون عندكم خلال ساعتين يا أوغاد.. لا مانع لدي أن أذهب مع شرف الكون للجحيم الآن لأتفل على باقي شرفه وأعود..

الساعة 10 م
لا أعرف ماذا فعلت.. كل ما أذكره أني أتذكر العويل والصراخ والقرع على الصفيح ولوحة مفاتيح حاسوب مبتلة.. أنظفها بيدي فتعود لتبتل.. وأنظفها وتبتل.. ودماغ متفجرة تحت قدمي.. وسيدة ملقاة نصف عارية تحت الطاولة.. وشاب يتقيأ دمًا في وجهي.. وجثة متفحمة على الشاشة.. رائحتها المشوية فتتت كبدي.. أبحث عن دواء الربو.. لا أجده.. عيناي زائغتان.. وأصابعي تعمل في آلية منفصلة عن عقلي تمامًا.. أنا مت في الحلم على ما أحسب.. أنا أعيش الحساب الآن.. أنا؟.. أنا من؟ .. أنا الـ Chicken hunt أقفز من هنا لهنا ومن هنا لهنا حتى لا يفجر الرصاص رأسي..
وأخيرًا.. هاكم مشروعكم يا باقي أوغاد المجرة.. Sent.. وليلعن الله كل بائس يبحث عن إنجاز اليوم والجميع ينتظر دوره في الـ Chicken hunt.

الساعة 12 م
كل شيء مظلم.. أحط رأسي على الوسادة الحجرية.. ينكتم نفسي.. لابأس.. في داهية.. ليس في رأسي شيء.. سوى منظر السيدة نصف العارية تحت الطاولة.. وآخر دجاجة نجت!

أو لم تنجُ..
تبًّا لشرف كوكب الأرض..
نامي هبة.. نامي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.