المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

عقود أثرية لاتفاق ما قبل الزواج في التلمود

تم النشر: تم التحديث:

قد يظن البعض أن عقود "اتفاق ما قبل الزواج" هو أمرٌ حداثي ظهر مع انتشار دعوة الزواج المدني بالدول الغربية, للمحافظة على حقوق الزوجين في حالة اللجوء للطلاق. إلا أن العثور على عقود أثرية لاتفاقات ما قبل الزواج بالتلمود يضع تعريفاً آخر لحقوق الزوجين يختلف عن النظرة الكلاسيكية للزواج المدني القائم على عدم الاكتراث بقيم الزواج الكَنسي ويغلبه الحفاظ على المنفعة المادية للزوجين بدلاً من قدسية عقد الزواج نفسه, كما يختلف أيضاً عن نظرة الزواج الكاثوليكي قديماً، والتي كانت ترى أن الزوجة مالاً و حالاً تؤول للزوج، وأن الحياة بينهما أبدية حتى يفرقهما الموت "Till death does us apart" .

عقود اتفاق ما قبل الزواج بالتلمود, ترسخ أيضاً أحقية المرأة في الصداق ومؤخرِه ونفقتها ما بعد الطلاق وكذلك نفقة الأطفال, وهي نفسها الأمور التي شدد على أهميتهما الشارع بالديانة الإسلامية, مما يؤكد على حقيقة التقارب الأنثربولوجي بين الديانتين اليهودية والإسلامية في كثير من أمور التشريع, كالزواج والطهارة واللتين لم تخضعا للتحريف كما حدث للنص الإنجيلي الذي منذ ما لا يعرف وقته قبل القرن الخامس عشر حرم المرأة من حقها التشريعي في الطلاق في حالة تعذر استمرار العيش مع الزوج, وهو الأمر الذي لم ينصفها منه إلا حركات التحرر النسوية بأواخر القرن ال19م والتي دعت لنبذ تعاليم الكنيسة القاسية واللجوء للتعامل المدني في أمور الزواج. في الوقت الذي حظيت فيه اليهوديات والمسلمات بحقوق اللجوء للطلاق.

وعقد اتفاق ما قبل الزواج بالتلمود أو الـ Ketubah (وتُقرأ: كِتُبَه , والجمع 'Ketubot': وتٌقرأ: كِتُبوت) هي اتفاق يسبق مراسم الزواج اليهودية التقليدية, وينص على جميع مسئوليات الزوج تجاه زوجته, وحقوقها كاملة ما قبل وبعد الزواج, و يقوم بكتابته رجل دين يهودي "Rabbi". وينص على مقدار الصداق المسمى بين ولي العروس وصاحب "المَلجة= الزيجة", المُعّرِس , ويسمى Mohar أو مهر (لاحظ أصل الكلمة المتداولة للتعريف بالصداق وقربها من الكلمة العربية "مَهر")! كما ينص أيضاً على مقدار نفقات الزوجة وأولادها في حالة طلبها الطلاق.

1

ففي أحد النصوص الموثقة في عقد اتفاق ما قبل الزواج, جاء:
باتخاذكِ زوجتي على عهدي موسى وإسرائيل, أتعهد أن أعمل على تكريمك وإعانتك و إعالتك كما هي عادة الأزواج اليهوديين الذين يكرمون زوجاتهم و يُعينهن و يَعولهن بكل إخلاص. ولسوف أمهركِ أيتها العفيفة مائتي ظوز استَحّققتها كما نصت تعاليم التوارة, كما أتعهد بتوفير المأكل والملبس وكافة احتياجاتكِ, ومعاشرتكِ بالمعروف.

والمائتا ظوز هو الحد الأدنى الذي تسمح به عقود اتفاق ما قبل الزواج بالتلمود للعروس البكر, بينما الحد الأدنى للعروس التي سبق لها الزواج (الثيب) هو مائة ظوز. كما يتعهد المعرس على نفسه رد قيمة كل ما جاءت به العروس من بيت أبيها وأبلته خلال الزواج, من مال أو ملابس أو أثاث, وهو ما يتم تقييمه إجمالياً ليكتب من ضمن بنود عقد اتفاق الزواج تلك, كما هو موضح بأحد عقود اتفاقات ما قبل الزواج الآثرية فيما يلي:

أتعهد برد ما جاءت به العروس من بيت أبيها من فضة, أو ذهب, أو تُحَفٍ, أو ملابس, أو منقولات مُقِيماً إياهم بمائة ظوز من الفضة الخالصة, وهذا عهدي أنا المُعرِس على ذلك.

ولقد كان لوقع تلك التكاليف التي تدون بعقود اتفاق ما قبل الزواج على الرجال اليهود المقبلين على الزواج أثر اجتماعي ثقيل يمنعهم من توفير مثل تلك التكاليف, مما حدا برجال الدين اليهوديين "Rabbis" تشجيعاً للشباب على الزواج إلى تأجيل تسليم الصداق وقيمة منقولاته للعروس لما بعد طلاقها أو وفاة الزوج! فيما بقي المهر حسب اتفاق الطرفين في التسليم, فبعض الأزواج المتيسرين يقومون بتقديم المهر "Mohar" وكذلك هدايا العرس والتي تُدعى بالعبرية " Mattan" للعروس ووالدتها وأخوتها (بما في ذلك الذكور) .

بالشكل (2), نجد واحدة من تلك العقود الأثرية والتي تعود للقرن السادس عشر وجدت بإيطاليا. ولكل نقش بها له دلالة معينة, فمثلاً علامتا اليديين الممدودتين بأعلى وأسفل العقد هي دلالة على أن كلاً من العروسين من عائلات كهنوتية متدينة. واسما عائلتيهما يشتركان في نفس اللقب "كوهين". والصورتان بالأعلى, تمثلان الحكمة (أعلى اليسار- جهة العروس), والشجاعة (أعلى اليمين- جهة المُعرِس)! و الرسومات الأربع على حدود العقد تمثل تعاقب فصول السنة, دلالة على استبشار ديمومة الزواج على مر السنين في السراء والضراء. فيما جاء نمط الكتابة داخل العقد وعلى حوافه كتلك التي وردت في سفر راعوث. وأخيراً , فإن الرسمتين الكبيرتين للرجل على اليسار تمثلان العدل, والمرآة على اليمين تمثل الخصوبة.

2

بقى أن نذكر أن عقود اتفاق ما قبل الزواج بالديانة اليهودية Ketubah ما عادت تُفعل في محاكم الأحوال الشخصية الإسرائيلية لكنها تبقى أثرا متوارثاً يحرص اليهود عليه مثل "القايمة" في الزواج المصري!! كما أن والدتي قد ذكرت لي ذات مرة أن عقد الزواج باللكنة الصعيدية المصرية يُدعى "كَتوبَة" !!

المصادر:
Future Church Website, "A Brief History of Celibacy in the Catholic Church", Accessed 2-2015 (http://goo.gl/5hXq0J)
BeliefNet Website, "10 Surprising Similarities between Islam and Judaism", Accessed 2-2015 (http://goo.gl/xUVoMh)
Rabbi Michael Broyde, and Rabbi Jonathan Reiss, "The Ketubah in America-The Jewish law", Jewish Laws Blog, Accessed 2-2015 (http://www.jlaw.com/Articles/KETUBAH.pdf)
Instone-Brewer, David (2007), "Traditions of the Rabbis from the Era of the New Testament", P.201
End of entry at Saul Lieberman (1898 - 1983), Jewish Virtual Library.
Jewish Virtual Library Website, Rabbinate Stats: 180 Women, 185 Men 'Chained' by Spouses". Accessed 2007-08-23, (http://www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/biography/slieberman.html)