المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

في نفاق الابتذال

تم النشر: تم التحديث:

فقدت قدرتي على التنّظير.. كل شيء من حولنا بات كالثياب البالية باللون الرمادي.. واللون الرمادي لا بأس به!! يعودك على النمذجة! يجعلك تُنظر للدنيا بمنظور واحد وضيق أيّما ضيق، ولا مناص من خياراته المحدودة في كيفية هرس حبة موزة بالشوكة أو بقدمك أو بيدك على وجه أعدائِك!

لا بأس باليأس "ترا"! إنّه شيء يلتهم كل محاولاتك في الهروب! يجعك تُسلم بالقدر.. ومن هنا تبدأ حركتك المشغولية اليومية في العيش في القوقعة سعيداً وربّما لا.. لكنك ستعيش! أو.. لا.. من يكترث يا عزيزي؟ لكن المهم أنّه يتُرسنك ترساً في ماكينةِ حياتك.. وعمرك الافتراضيّ هو ما سيضمنُ لتلك العجلة الدوران!

كم قرأنا في كتبِ النصب المُسماة "تنمية بشرية" أنّ السعادة اختيار! كلامٌ براق رائع حقيقةً.. لكن التطبيق هو المشكلة! وكم من متفوهي التنمية البشرية لا يدركون أصلاً ما يقولون.. وهم مثال حي على الأدرنالين المغشوش! يُفسد عقلكَ قبل كليتيك.. يجعلك تصل لشبق الأماني عالياً وأنت مُفعم بالموجات الموجبة التي بعثها من حولك في تلك القاعة الضيقة التي تكون إضاءتها محدودة غالباً.. وأول ما تطأ قدمك خارج القاعة.. تقف لتحك رأسك ببلاهة وإن كنت ذكياً كفاية ستسأل نفسك السؤال ذاته: كيف؟!

أما عن الأغبياء فوالله هم أشد الناس سعادةً.. فلذا لن نشفق عليهم من الآن فصاعداً، بّل سنحقد عليهم.. فلقد أوتوا السعادة على دونما استحقاق!

سؤال أنطولوجي خارج السياق: أتود أن تكون غبياً وسعيداً؟ فكر مليا!

عودة للسياق: السعادة اختيار! ها، ربّما عندما يكون عندك القدرة على الاختيار! لكنّك يا عزيزي تعيشُ كيفما تراءى لأهواء غيركَ.. ومحاولاتكَ بالتظاهر إنما هي أقبح نصباً مما كُتب بالكتب إياها!! كم كنت تتمنى أنّ تهجر أرضك المزرية وتسيح في الأرض لترى عوالم أخرى.. ثم منعكَ من ذلك موظف تَعّس بسبب ورقة حقيرة! ورقة.. ورقة حقيرة في ميزان العوالم السبع والأرضين السبع لا تزن ميزان جناح البعوضة المحظوظة مما جاء في كلام ربكَ.. بينما أنت! لوين رايح بربك؟ إذا الورقة الوحيدة التي قد يكترث بها بلدكَ لم يعطوك إياها.. ففيما سعيك !

فيما تعرف أنكَ إذ لم تترك تلك الأرض الملعونة فوراً سَتُعاني.. ستُلاقي من الشرور ما يكفي أن نصنع به جحيماً خاصاً كما صنعه ربكَ للمفسدين في الدار الآخرة! أين عقلك؟ أوَيوجد جحيم؟.. هذه ما حبيتها منك! لا يدفعك مقتك وغضبك من كل شيء حولكَ أن تنكر وجود الجحيم؟ هذا خطأ فادح.. بالله عليك خد لفة في بعض شوارع مدينتكَ وستعرف أنّ الجحيم حتماً موجود!

عزيزي.. لمَ اليأس.. اعلم أن الله موجود ولكنّه يختبر صبركَ.. يتفقد فيك الصنيع الذي يوده.. يريد أن يرى الإنسان وقد طَهرته الظروف والمهلكات من أجل الحصول على مكان في الجنة.. أوَتحب الله للجنة؟ إنك بائس! لا تحب الله.. لا تحب الله إذا كنت تبحث عن الجنة.. لا تحب أحداً من أجل شيء أو مصلحة.. هذه قاعدة نفرضها على أنفسنا.. كأن أقول: حبيبى أحبك لأنك أنت وليس لأني أود بناء عائلة وأنجب عدداً من الأولاد أطلع عينهم واستحوذ على كل شيء كما يفعل الأهالي النموذجيون استغلالاً لصفة الأهليّة.. وأعلمهم كيفما أرادوا أن يتعلموا.. ولا أفرض عليهم دراسات عليا حقيرة قضوا فيها سبع سنين، بينما في سنة واحدة بعدما نجحوا في الهجرة كونوا ثروة تزن ما جمعه آباؤهم وأجدادهم وربّما أستاذتهم! سأجعلهم يتزوجون بمن يحبون.. ولن أكترث لمجتمع جاهلي.. حتى ولو سيتزوجون أخرس.. أبكم.. فقيراً.. طالما سيمرون بالاختبار الذي سأفرضه عليهم.. ولكي تعم الاستفادة سأعطيك ملامح من ذلك الاختبار العبقري الذي مكثت مطولاً في تطويره:
السؤال الأول: إذا كنت وحدك في أرض لا تعرف فيها أحداً وليس معكَ أحداً من البشر.. هل ستحب الله؟

السؤال الثاني: إذا كان جوابكَ في السؤال السابق بالنفي، فإذا غرقت في أحد البحار وكان لديك فرصة واحدة للنجاة ولكنها على يد أحد أعدائك الملّحدين الذي اشترط أن يُنجيك بشرط أن تكفر بربكَ؟ أستفعل؟

السؤال الثالث: إذا كان جوابكَ في السؤال السابق بالنفي.. فإذا استيقظت لتجد نفسك مطادراً في غارة جوية ومعكَ أمك العجوز التي لا تقوى على السير وعليكما أن تجريان بكلّ ما أوتيتما من قوة! أستتركها وتنجو بنفسك بما أنكَ شاب والحياة أمامك لاتزال طويلة؟

السؤال الرابع: لو كان جوابك بالسؤال السابق بالنفي.. فهل ستود أن تزور قبرك أبيكَ المجهول أم ستود أن تراه بنفسه أمامك؟ لكن اعلم أن أباك سيعود وتعود معه مشاكل أقلها أنك لم تعد تتعرف على الرجل؟

ولو أمعنت التفكير لتجدن أن أقصر الطرق للمعرفة / للنجاة / للحياة / للحب/ لله هي "لا" !!

أتود شرحاً: أنا كريمة اليوم على عادتي لذا سأسهب في الشرح:

قل لا للمعرفة.. لمعلومة حشرت نفسها في مخك دون وعي ودون سياق ودون توطئة.. قل لا لتبحث ولتفهم ولتمحّص وعندها ستقبلها أو ستجد ما هو أحسن منها!

قل لا للنجاة... لذاك الذي يشترط لمعيشتك شروطاً أسوأ من موتكَ نفسه.. قل لتنجو نحو أي شيء سوى القهر والمذلة وعيشة الحقراء في مكان فقدت فيه ذاتكَ.. إنسانيتكَ.. ورويداً ستفقد الله !

قل لا للحياة... للحياة المتشابهة التي لا نفع فيها ولا شفاعة ولا أي اكتراث من أي جانب لأي شيء.. قل لا.. وابذل مزيداً من الجهد.. ربما ستلقى حتفكَ.. لكنّه أشرف من أن تعيش كالدواب في أرض تزّخر بالدواب!

قل لا للحب... ذلك الحبّ الذي يرهقك أكثر مما يُسعدك.. للحبّ الذي يطلبُ منك أكثر مما يعطيك.. لا تُحّمل نفسك أكثر من طاقتها في البَذل حتى لا تعود وتتحسر على ما بذلت في وقت ما.. عند وصولكَ قمة الـ Peak.. انجُ بنفسك قبل أن تصعد التلة التي من ورائها انحدار على جذور رقبتك !

قل لا لله... لعبادة الله على حرف.. لمعرفته من أجل النجاة.. لمعرفته من أجل الجنة.. للحبّ المشروط! لمعرفته من أجل الأماني والدعوات وخسف النعال! اعرف الله لله.. لأنه فوق كلمة "يستحق..".

وجه مبتسم! أليس كذلك؟ على رأي الكويتيين "الضحكة شقت وجهك!".

ها أنا تحولت لمتحدث تنمية بشرية وغد! لكنّني لن أطلب منك أية رسوم! هناك فرق.. النصيحة التي ستدفع فيها ثمناً اتركها وازهد فيها.. تلك قاعدة !

الآن عُد للونكَ الرمادي... أو Put some color Man !!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.