المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

محبّ مُريد

تم النشر: تم التحديث:

يبدو لقاءهما الأول مُلغزا ... دعّنا نلعب لعبة السيناريوهات المتحركة إذن.. بين عاشقين جمعتهما صدفة الأختيارات .... يمتلك كلاهما من الحبّ ومن نصوصه ما قد يحرك في صدورنا المفعمة ببصيرة حبٍ كل رغبة لمعرفة .. متى جيء بالحبّ لقلبين يفصلهما آلف بعد وبين و أختلاف ..! ليغرقنا .. بالنور .. ويطهرنا بقوة الأختيار .. ومصيرية .. الإرادة ... في رؤى للعالم من خلال عيون مرتجلة بحيوات شتى .. وموسيقى شتى .. وقصيدة واحدة ...
- سيناريو 1
_______
صباح شَتوي بجامعة القاهرة .. السماء كانت ستمطر لكنها أعدلت عن رأيها في أخر لحظة .. ورضوى في طريقها إلى محاضرة متأخرة .. ومُريد في طريقه إلى لقاء أحد أصدقاءه .. يجمعهما درج متسع .. يحرك هواء الشتاء الحميم تنورتها قليلا .. تستحي .. فتتساقط كتبها .. مُريد يرى ذلك .. ويتابع سيره! تحنق عليه! يبدو مغرورا كفاية لكي يحرك ما في قلبها من نص ثائر ... تواصل جمع كتبها وتخترق الأجساد الملتحمة للدفء نحو ما كانت تنوي الذهاب إليه .. تجلس في هدوء .. يداها .. وقدماها مثلجين .. وقلبها يضطرم بالنّص .. ونظراتها زائغات .. ما اسمه؟ من أين هو؟ أين ذهب؟ .. تدخل طواعية في غيبوبتها الرمادية الرقيقة التي تصم الأذان .. وتشوب الرؤية .. وليس من ثمة جارحة في جسدها تعمل إلا وفقاً لِما يمليه القلب للورق .. وشوشة الأسئلة الأولى التي نهلك بها أنفسنا عادة .. أخالِ قلبه؟ ماهذا؟ حب مقتحم؟ ولم أهتم؟ .. والورق المسكين يتلقى عنّا وعنها الحيرة .. أسأراه ثانية .. وماهو أسمه! يجدر به أن يكون أسما مميزا .. كعينيه الدعجتين إذ يرميني برمش مرتقب وأنا أجمع كتبي .. وكبسمته القاسية التي اجترتها شفتين ربّما .. تقرضان الشعر .. وكيديه الملتحمتين بجسد يستدفيء من البرد في جيوب بنطاله بكل .. أبهة ! وكل لامبالاة ... و كخصلة شعر طائشة .. أرتخت نحوي كأنها تقول "أسم الله" .. لكنها كالباقين تابعت في كلية السائر دونما إكتراث .. كقصيدة جاهلية نظمت من ألف بيت .. دون وقفة استراحة ..! قلبها .. مايزال .. في إغفائته .. يكتب عن المجهول .. عن حبٍ مرتقب .. وعن نصٍ مفعم بحميمة شتوية ... تمطر الدنيا أخيرا .. تسمع قطرات السماء الحنون على النوافذ ..وبقلبها ..وعلى الورق .. تبتسم وتبكي ..

- سيناريو 2
_______
أمسية صيّفية بأحد الملتقيات الشعرية .. هو بصحبة أصدقائه .. يستعد لإلقاء قصيدة جديدة .. وهي بصبحة صديقات من الجامعة .. يلتقيان .. تتحدث العيون في سكون يغلفه صوت النيل الهادر في رقرقة غريبة .. وصوت بعيد لـ "سيرة الحبّ" ينبض بقلبيهما في تخاطره مفاجئة وحميمة .. كدغدغة صيفية تحرك تنورة وشَعر الحبيبة .. أو كانت حبيبة؟ يسأل نفسه فيما تتذبذب أبيات قصيدته في صدره متفككة .. تنداح حروفا من داخله في آهات غلفتها .. كسلم موسيقي تتراقص فيه الحركات على نوطة وهمية أرتسمت حول خصرها و التنورة و حجبتها بغلالة بيضاء كفتاة ريفية بـ"رام الله" تجمع البرتقال في حصاد صيفي ... تنظر لحبيبها البعيد ملوحة له بكف خضراء يتطاير حولها رداء من نسيم البحر المشمس .. منسلا تحمله نسمات النيل ليتساقط في هدأة حروف قصيدته على وجهه .. ورائحة البرتقال تزيد من صوت الست الملعلع بـ"سيرة الحبّ " تعويذة سحرية يختفي فيها كل إنسان إلا كل محب مريد .. لتستعر القصيدة بالوله .. وتذوب الخطوات نحو منصة الإلقاء .. لم يعد أمامه سوى عينيها الواسعتين بليل قاهري أسمر .. وضحكة من القلب لم يسرقها الخذلان .. وتنورة حريرية تحركها نحو رام الله يد خفية .. ترسم بالفضاء بينهما مازورة مايسترو ينظم بدايات الحبّ في وقع بدا خافتا .. ثم اضطرم عاليا بشطر القصيدة الثاني .. وهو يقول "يرى نفسه نائماً بين حلمين أو علمينِ" ... وقلبه يسأل .. من هي؟ ما أسمها؟ يَجدر أن يكون أسما مميزا .. كرئتيها النابضتين في تناغم موج النيل القصديري تحت ألف نجمة حبّ... تتهدجُ الحروف بصدره وتضطرب يداه .. يبتسم .. وتَبكي القصيدةُ المنداحةِ في أثير يفصلهما بألف مقعد وألف عين محدقة .. وشمس رام الله ..

- سيناريو 3
________
عقب ظهيرة ربيعيّة ... في طريقهما بشكل قدريّ مفاجيء إلى مكتبة الجامعة .. كعادة القدر .. يضع الحبّ بطرقنا المعبدة بالألم بلا رحمة ليرى ماعسانا نفعل ..! أنحبُ ونكون من الشاكرين ... أم نقتلُ الحبّ بقتلهِ إيانا .. يجمعهما كتاب واحد وقصيدة واحدة .. السؤال المتكرر عنه لأمين المكتبة يجعله كقصيدة خرجت شطرا من فمه وأخر من فمها .. تبادره بالإبتسام .. جميلة هي ببسمتها التي تهبها للعالم .. كربتةٍ على ظهر محارب ضيع أرضه بالحرب الخاسرة .. كيدٍ حنون تُمسك بك نحو النور بطريق مظلم هجرك به أقرب الناس وأحبّ الناس .. كعبيرٍ زنبق متسرب من شرفةٍ قريبة تطلُ على شجرة عتيقة زرعها محبٌ فقير بأواخر القرن الـ 19 تحت شرفةِ الأميرة المتوجة التي أهدت قصرها بشرفاته وزنابقه وحبِ مهدور إلى العِلم .. جميلة هي كتلك الظهيرة الربيعيّة .. البسيطة .. وواثق هو كأخر ظلال النور بنفق .. يداه الملتحمتين إلى جنبيه في استنادة مصيرية .. بين الحبّ والمضي قدما .. ليست القصيدة ماتترد بالصدريّن الآن .. بّل .. قرار الحبّ .. أسمي مريد .. ممداً كفه فيروزية بحر رام الله نحوها ... أسمي رضوى .. ملتقطةً الفيروز ذائبا بأرض سمراء شهية ... والحبّ بينهما .. كزنبقةِ المحروم العتيقة تردد بين عيّنيهما ما جادت بيه عيون المحرومِ في حبِ الأميرة من دموع "لا حبّ يضيع"... يوماً ما .. وجدت أخيراً .. صداها بين قلبيّن .. مريديّن .. هو .. وهي!

مُريد .. ورضوى .. تُرى من قال "أحبك" أولا .. يبدو السؤال مبتذلاً .. فكُل سيناريو يجمعهما قد قيلت فيه ألف ألف "أحبك" بين طيات القصيدة .. والتنورة .. وبسمتها.. وعينيه الواثقتين ... وزنبقة المحروم ...يبكى .. "لا حبّ يضيع"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.