المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة حداد Headshot

متلازمة الإبداع.. "جنون"

تم النشر: تم التحديث:

هناك بعض الناس، إذا نقص منسوب إبداعك يكفي أن تمكث في بروفيلاتهم ومدوناتهم يومين متتاليين! دعونا لا ننشر الخبر إذن، حتى لا يصبح الدخول للبروفيلات برسوم!

أشعر أنه كنوع من الدرس لا بد أن أُحبس معهم حتى أتلقى الحرفة كاملة، لكنني من أولئك المرهفين، يطلقون العصفور حرًّا أملًا في أن يغرد كما يشاء! لكنه يهرب ولا يعود!

كلما شعرت أنّي خويت من الكلام (ولا يخفي عليكم، الكلام صنعتي وبدونه أنا شخص طيفيّ لا وجود له)، عادة كنت أذهب للكتب، ولكن حاليًّا مع الانشغال الذي يأكل اليوم كله بت أذهب عند أولئك المفرغين نسبيًّا لقراءة مزيد من الكتب عما أفعل، لكن ليس هذا كل شيء، فقدرة البعض على إيقاظ "الأفكار" برأسك بسطر من كلام، تشبه في نظريّ "إيقاظ التنين" من كهفه العميق بإحدى الجبال المسحورة! وهذه مهمة خطيرة لا يجرؤ على فعلها إلا كل جسور من سلالة الفايكينج، أو بكل بساطة شخص بسيط من سلالة "مصري مطحون"! ليس هذا ما يشغلني فحسب.. لكن ما يشغلنى حقًّا هو: ما السبيل لإلهامهم بالأفكار التي أود أنا شخصيًّا أن أُلهَم بها منهم !! يبدو الأمر معقدًا..
كشخص يقرض الشعر (أدعى أنّي أفعل ذلك)، أذهب لقراءة أكثر من قصيدة لأحد المشاهير ولكن يا إلهي.. لا أجد ما بغيت أن أكتب عنه إلا في دموع حزينة، أو لقطة مصورة، أو هم أكاد معه أن أبيع الدنيا وأرحل رافعة شعار "Enough is Enough".. وكل هذا ما هو إلا خيالات بسيطة، ولا أدّعى الإمعان في الأحداث، لأنّي ممن يصوفون بالتاركين! وهم صنف غير مقبول اجتماعيًّا، ترك كل شيء للشيء الذي لا يراه إلا مع نفسه! ومهما بلغت محاولات الدفاع عن هذا الشيء أو تجسيده للأخرين فلا يجني سوى نظرات الشفقة أحيانًا والشفة المقلوبة بقرف أحيانًا أخرى وكأنهم رأوا مجنونًا يشق ثيابه! وهنا تستوقفني عبارة في إحدى الروايات تقول:
عزيزتي، كلانا حدودي!
حدودي؟

مهلًا دعيني أضعها لكِ..! نعم، حدوديّ تعني أننا عالقون بالمنتصف، تركنا دفء العائلة والمناسبات الاجتماعية وأبهتها ورحلنا للامحدود سعيًا إلي التنوير!
لكن بالنسبة لي حتى الآن لم أجد ما قد أسميه تنويرًا!

والإلهام مقدرة على صحبة الميتافيزيقا! فإذا وصلت للميتافيزيقا أنصحك أن توصد الباب وراءك بقوة، حتى تمنع نفسك الأرضية من العودة حيث القاع، وأرجوك أن توصل سلامي للعزيزة الغالية "ميتافيزيقا" قائلًا: "وينك يا الغالية، طولتي الغيبات"!

لكن حتى تتمكن من الولوج لتلك النقطة عليك بفعل الكثير إن كان منسوبك يترنح صعودًا وهبوطًا تبعًا للأحداث ولا يعمل على وتيرة واحدة! كالقراءة كل شيء وأي شيء، بأسلوب النهم الاستهلاكي الذي يختار أدسم الوجبات، فألذها، أو بالأخير إذا ما التاعت نفسه طالبًا للأكل الخفيف! أو مطالعة كم هائل ومخيف من المرئيات فقط من أجل "ندعة" إبداع! ستجد نفسك في الطريق قد تعرفت على عوالم أخرى ربما كان يمنعك عن دخولها كبسة زر وضيع.. كذلك السفر والترحال وهما أمران لا أجيدهما لأسباب شتى.. وأحيانًا، ربما ليست بالكثيرة، أحسد أولئك الذين بمقدرتهم التنقل في المواصلات العامة والبلدات والقرى والجبال ورؤية النماذج المختلفة من الناس والنفسيات والحالات والمواقف والقدرة على صياغتها بأسلوب متحدث منطقي يتجسد في صورة أمامك! أضف إلي ذلك عوامل أخرى، كالحب، وما يفعله بالإنسان، يبقيه عاليًا بسرير السحاب يكاد من يراه أن يجزم أنه مخلوق نوراني ولد ليموت كنجم في الفضاء، ومن ثم يخفضه لقيعان الأرض يقضي الليالي مختنقًا يشعر أن كل خطوة سيخطوها نحو المطبخ مثلًا كأنها العبور خلال برزخ ضيق لا أفق له بين طودين باسقين لا نهاية لهما.. إحساس بالضيق تكاد أن تعلن معه الاستسلام صارخًا كالطفل الذي يود الذهاب لبيته، بعدما ما هاله أمر الناس بالخارج صارخا بعبارة "I want to go home!!"، فيجابهك الواقع المرير قائلًا "!!This is Home, baby".

أما عن الحزن كمُلهمٍ للإبداع، فحدث ولا حرج، يكفيك أن تعلم أن الحزن هو سيد الإلهام الذي لولاه لما سمعنا أشهر المعزوفات وشاهدنا أندر الرسومات، وقرأنا أعمق الكتب! هو حالة من الجدارية.. نعم لست أملك حاليًّا مفردة غيرها، حالة من الجدارية تمثل علاقتك مع الحياة بشكل عام، الحياة تكتب وتعلق على جدارك.. وأنت واقف صامت تقرأ! وكأنك تقرأ خبر وفاتك مثلًا، بينما أنت حي ترزق، لترى ما هو إحساس أن ينعوك وأنت بينهم تتنفس! لذا أجد أنه من أصعب المواقف التي قد يمر بها إنسان أن يصاب بحزن عميق ثم لا يدع لنفسه المجال للانهيار ولو قليلًا، فمهما كانت صلابتك فهي طبيعة إنسانية لا بد أن تمارسها حتى لا تصاب بها لاحقًا وستكون حتمًا كارثية وبلا نهاية! ولا شىء يفوق إبداع الحزن في رأيي.. لأنه صادق.. صدق الدم الذي أسالته معركة!

كنت أحسد أولئك الذين بمقدرتهم العمل / الدراسة / الاستمرار في الحياة مهما اختلف مزاجهم.. لكنى بت مؤخرًا في قناعة.. أن المزاج هو من يجعل الشخص مستحقًّا لرتبة "إنسان".. يعيش ليبدع.. ليستهلك عمره في حرفة الجمال.. ليس فقط ليمارس الأنسنة كالأكل والشرب واستمرار الحياة! والمهمة أمام من يسعى وراء الإبداع ليست بالصعبة.. فالتدريب على الإبداع، ما يزال نظريًّا، ممكنًا في حضرة جلال الموهبة.. لكنه قد يتسهلك الأعمار ويعصر القلوب! وتلك ضريبة أن تبقي سائرًا على السياج المدبب.. تشعر ما لا يشعره الآخرون ومن ثم تنسجه بحرفتك وتقدمه هينًا للناس يقلبونه متبرمين.. وربما لا يعجبهم.. ولهؤلاء أقول "Who care!".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.