المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام زكريا Headshot

توقيعان ووشم في قلب مهمل

تم النشر: تم التحديث:

(..وحين استراحت، كانت الخصلة البيضاء تفِرّ من ليلي إلى بالة الموت..)

التوقيع الأول:

أدمنتها سعاف نخل، فصار دمّي مشرداً في كل الجذوع والأوراق، كلما أنضجت عاطفة وأَدتها واستباحت لتلاقح الاغتصاب، حلماً يدخل كالحروب الهمجية مهزوماً بالانكسار.

حين التقينا، كنتُ أجمع الخرز الملون، وأناجي الحصى وأوزّع الرحمة للموتى في برزخ الأحزان والشجن، وكنت أنطق بلهجةِ أعجميٍّ صمتاً يقطر أحرفاً من الفوضى والتيه والوَلَه.

تآلفْنا في الاختلاف ودخلنا في طقس بطعم الأحجار والأشجار، نضج النخيل على يدي، فمنحتني خصلة بيضاء كانت في أَسر الليل معتقلة.. ورغم نبوءة العراف فككت قيودها، فتهيأت للآخرين بالنخل والزيتون.. وآهٍ من الزاد القليل في زمن عبّأته بالخوف والموت، ولا يلتقي فيه نهرٌ ببحر، وللصدق فيه مرايا من الوحل!

ودَّعْتها وكان القلب يشب بنافذة القطار، ودفنتُ في كل محطة جُوعي، وللجوع باب واحد، أوصدتها نافذة من شمائل الرهبان. ولأنها بعض من غواية، وظل من فورة الاشتياق الممنهج، احتملتُ منفى العشق، والحروب الهمجية التي تدخل الحلم ولا تخرج. وحين استراحت، كانت الخصلة البيضاء تفِرُّ من ليلي إلى بالة الموت، وتجمع الخرز الملون وتكلم الحصى وتتآلف مع السبات.

التوقيع الثاني:

قالت حين استنطقت الحلم صغيراً: كن كالواجهات محتمِلاً للمتسكعين في ممرات الوهن.. والراقدين خلف الفاترينات الزجاجية، يتشدقون ويتحمسون ويتوغلون في تفاصيل الطقوس، كن ما تكون أنت في العمر، كاهناً يرتل الصلوات من دون وجه، درويشاً أعز، تداهم روحي.. وروحي ملابسي الشتوية!

ـ يا أنت: أحكم فوهة الأيام، صلصلة الأجراس نذير وبشير، ورتل ثم رتل، وبأي لغة يا غيمة الأسماء المحتملة وغير المحتملة.. أرتل!

فررت من جوعي إلى جوع آخر أشد اختراقاً للحشا، وظللت فيك مخبوءاً بكل الكؤوس.. غرغرة الطقوس المُرة خلّفت في صوتي انكساراً وانحساراً في جزر معتمة.

أعوام تمر وتستبدلني فوضى الحملات الهمجية، علّبتها في صدري، وانكببت مع الاشتهاء المُر حتى النخاع، كل النباتات القديمة استطالت إلا قامتي وظلي. بعيداً كنتُ وغريباً وعارياً، أدلف تحت أغطية مشاعرك الرثة والعطن، تنهشني عقبان الأسماء والأرقام والتواريخ وصدى الوقوع والأطفال والذاكرة.

انشقت كفي مدناً للجهامة والمطر المتكبر والأعاصير المفجعة، راوغت الجوع المؤجَّل وسلمت بقايا إرثي، وهيأت لقلبي المقصلة.

الوشم الأخير:

في لحظة عناق النهايات، كنت لا أكف عن الغناء، ووجهك البداية والبكاء القديم، موحِشةً كنتِ كالمدن المنفية في أعماق الجوع، عاصفةً تخلع أثواب الشوارع، وتدس التفاصيل في العيون المهدرة، وتسافر وتنتحب، وتفرق بين النوافذ، حلمك الضيق يسقط في كفي، فيرجمني بالجنون ويحرسني من نباح الكتابة حين أرى ظلي في عيون تسبح في حزن الوطن، وأنتِ لمسة الجرح والملح ومعكِ لا أعرف ما أشتهي.

ـ قالت لي ذات مرة: أنتَ سيد الأفق المتوَّج، فأشعلتْ جمرات اللذة، واندحت صوتاً معبَّأً بطعم الرماد، أنشدها في صخب التراكم، فترجعني نشيداً جنائزياً حزيناً وقلباً من رمل وزهق وخريفاً معطوباً بالصدى.

بلا تفتيش، مررت عصفوراً في الريح، وصوتك العاري ينسجني من أعوام الخوف نورساً، يستملح السنين، وطقوس الجمر، ويواصل سيره النازف نحو الفنارات الأبدية.

صوتك بلون العواصف يصطاد عشباً وغيماً، وأنت نائمة في خطوط الخرائط، تدخل نواتك صدري وتخرج، وتقرأ ألواح الغيب، فتشكل تضاريسي جسداً منخوراً يكبر بين أحضان الموت والخوف.

أفرخ جوعي في زوبعة غبار الحملات الهمجية، وأظل أليفاً، أنتظر نبوءة العراف لتحل اللغز، حين أراكِ أدرك أنكِ أوطان لا تهرب؛ بل استكانة التائه في براري العطش والخوف، أبصركِ أحياناً فأنام، وأستجدي الطعم الغض حيناً آخر فألوذ بقحطي.

ـ يا أنتِ: سقط الماضي فوق الرعشات القمرية، وكنت السؤال، وكنت الأوحد.. أنزف جرحي شهيقاً وزفيراً وحصاراً واحتمالاً، وأنتِ الإجابة في مغارات الفزع، وحروف تتقمصني وجرح وملح، ونواميس الأشجار المذهَّبة ولذة الاشتهاء.

ـ وأنا الصاعد من قاع جوعي إلى ألواح الغيب، أستقرئ فيك التآلف وأبحث عن مفاتيح الطقوس الممتدة في امرأةٍ لا تكف عن الغناء، وتسرج من خيل الشوق العاقر.. حروف الميلاد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.