المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام زكريا Headshot

صورة شخصية من ملف حارس

تم النشر: تم التحديث:

.. وعلقوه ممداً.. يتأرجح في الفراغ.. عصفوراً في الريح.. وكأن الأطفال بلا عمر.. والأجداد بلا ماضٍ.

صرخة

ما زال صوتك يستنفر الزمن، وينفخ في قصبات الريح ويغني، الموت للفقراء والضعفاء، لم تهزك زمجرة الريح ولا غضبة الأحراش، حين داهم رأسك المعبأ بالحفر والموت نباح الملعونين والواهمين، وأنت تسأل حارسة الغناء والوجع: متى يستعيد الغريب هويَّته؟!

صوت

كانت الليلة مزيجاً من رائحة الأوطان العفنة، وكانوا يبتاعون عطراً رخيصاً لها، وبعض الزجاجات والمرايا، وموؤود من يرى من نافذة تستحم بها الشمس، ويمتطي صوته، كان كلما انتصف عليه الليل، يتذوق طعم الزجاج المسحوق باللحم، ويسمع وقع خطاه البطيئة، فيراقب ظله ويختبئ في شقوق الكلام، كان نخيل القرى أطول من قامته، وأعرض من صمته وظِلّه.

- قالت حارسة الغناء والوجع: هو الليل مشتبك بالنهار، لمَ نتوحد في ميتة زائفة، ولا نملك أيادي للعناق، ولا نقترب مثل أصابع اليد؟!
- الظل: يا حارسة، أتعبتنا أقنعة المارقين والواهنين والمقهورين وأصواتنا العارية.
- حارسة الغناء والوجع: عشنا ندخن، ونمارس تفسير الأحلام، ونشتهي دهشتنا، ونعاقر الأحزان.. كن أليفاً، يهدونك مصباح علاء الدين!
- الظل: موقوفة البقايا في خطوط الخرائط، نفضي عنا تراب الفجيعة والأقمار الذابلة التي لا تحمل الأشجار.. نبوح لمن والمدى كالسوار؟!
- حارسة الغناء والوجع: الموت للجبناء، ولنكفر عن الذنب المستحيل، أيها الغيب احجب ما تشاء.. الكل لن يكفَّ عن الغناء.

مشهد (1)

وتجمعت كل الخيوط.. واقتسموا رغيفاً من الصبر والألم، وكان صدى وقع الأقدام يتردد في الذاكرة، وفي حزن النعوش المهدرة، كانوا ملفوفين بالتاريخ وحرارة الحمى وبتلاوة الأحجار والشجر، وأقسموا ألا يعودوا إلى اللغات الميتة.

- حارسة الغناء والوجع: لنتعاطَ ظلنا، ونستعِد من القامات المجدبة والأغصان الغامضة أشكالاً ورموزاً، صبوا قهركم، فما فائدة نكهة الجلود القديمة حين يهال عليها التراب!

- الظل: نعاهدك، أنت الغريب ونحن منك، لا للخوف..ضمائرنا من ذهب، ومنحدرون من أنين.
صوت: وأنا يا حارسة الغناء والوجع.. زمن واقف، وطوفان يجتاح كل بطولاتنا الورقية، نعم فلنمُت واقفين.

مشهد (2)

وداهمت محاكم التفتيش الأنفاس المنحوتات بالصخب والهبوط، وخزانة الأوراق.. والأسماء.. وطواحين المجهول.. وداخل الأسوار، كان الليل يلتهم الحياة.. والعابرون يمرون في العيون والوجع بلا نشيد أو فزع.. والسجون مدن للجرح والجموح.

- المحقق موجِّهاً حديثه للحارسة والصوت: سؤال أخير؟
- وقال لهما: اكتبا.. وقّعا.. وادخلوها آمنين!

مشهد (3)

في غرفة التحول؛ حيث كان الوقت فيها صخراً ولوناً وأغاني ثقيلة.. اختلط الدم بالدمع وبالضحكات الهستيرية.

- قالت حارسة الغناء والوجع: أنت قريب كالجرح.. ولن تنحني للعواصف.
- الصوت: وأنت صلاتي الأخيرة.. فهل نرتجل قسماتنا؟!
قالت: هذا اللون من آثار أقدامي وشراييني لن تسكبها أفاعي الأرض بالوجع والصدع والخفوت.
- الصوت: أمي تنتظر النبأ، وتعشق النفخ في قصبات الريح والغناء.

مشهد (4)

وعلقوه ممداً.. يتأرجح في الفراغ.. عصفوراً في الريح.. وكأن الأطفال بلا عمر.. والأجداد بلا ماضٍ.. واستقر على ساعدها.. تنطفئ في عينيه رغبة الحياة.. طهروه من دنس الوطن.. وكان طرياً كالغصن المبتل، لكنه لم يكن أليفاً.

- قالت حارسة الغناء والوجع: لن نشيعه قبل أن تنتحب الطيور الجارحة، ويبدأ جسدها في الارتعاش والاشتعال، وتشهق الأشجار، فأنا الغريب والصوت منّي.

- الظل: يا حارسة.. اعتصمي بوجه الليل، صرخته مطر.. وليسترِح.
- قالت: لم يمُت.. حارس على الحياة، مع أنه خارج الحياة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.