المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام زكريا Headshot

عندما تصل إلى مرحلة "الاستِكَنيس"!

تم النشر: تم التحديث:

أصدقائي المثقفون في مصر، لم نعد نلتقي إلا مرة واحدة كل فترة، ربما لأننا مللنا الحوار، ولم تعد تخرج ساعات اللقاء من الشكوى والتنظير ووضع حلول افتراضية للخروج من الأزمات، وتنتهي الجلسات بوقوع النفسيات وصداع واكتئاب وانعزال وعيون تبحلق في سقف الحجرة.

أصدقائي استبدلوني واستبدلوا بعضنا بـ"طاولة" و"دومينو" طمعاً في ترييح الدماغ ومفردات جديدة للأسف لا أعرفها؛ لأنني فشلت في تعلمها "شيش جهار"، فلا أنا عارف يعني إيه "الشيش" ولا فاهم في "الجهار"، وإن كنت أراقب تقاطيع الوجه والملامح ما بين دهشة وفرحه وحد بيقول للتاني كده اتزنقت يا ابن المحظوظة!

في فترة ما بعد "كامب ديفيد" تم تسريح كل المثقفين للخليج، وقيل وقتها إن رؤوس مصر قد غادرت ولم يعد يتبقى منها سوى الأجساد والمتعلقين بالماضي، حصلوا هناك على القصور والسيارات الفارهة والرواتب الفخمة، فتلاشت القضايا وأصبح الوطن هامشاً، يكتب دون نقاط فوق الحروف الأبجدية.

وسقط الوطن بعد أن استبدلوا المثقفين والمتعلمين والأستاذة والرؤوس الواعية بأجيال جديدة، شربت الفساد شرباً، ولم تعد هناك قيادات ولا صف ثانٍ ولا صف ثالث ولا حتى عقول راكنه في الجراجات.

أتذكر وأنا في آخر عام بالجامعة، وكان الدكتور الطاهر أحمد مكي، أستاذ الأساتذة في الأدب الأندلسي، وكان يدرس لنا مادة اسمها الأخلاق والسير، وفي حديث جانبي قال لي، وكان هذا عام 1987، نحن نضطر أن نعطي للباحثين الماجستير والدكتوراه حتى يكون عندنا صف ثانٍ من أستاذة الجامعة، ولو اشتغلنا بجد سنرمي كل الرسائل دي في صناديق الزبالة.

نبحث الآن عن أفلام محمود عبد العزيز وهو يغني "للقفا.. آه يا قفا"، وأبله فاهيتا وهي تعالج السياسة بالقباحة، ونشاهد مهرجان القاهرة للسينما ونملي عيوناً من الفنانات بنصف ملابس ومباراة حول المصممين والأسماء.. وتويتات باسم يوسف عن خالد صلاح، وخالد صلاح.. كذا، وحلاوة المولد التي عرضها "العبد" وما أدراك ما العبد بـ2000 جنيه مصري فقط لا غير.

لم نعد نجتمع حتى لمرة واحدة، بعد أن أصيب أحدنا بالجلطة والثاني حلق شعره أقرع تماماً، والثالث قرر أن يتفرغ من وظيفته الهامة، ويفتح محل أدوات منزلية، وآخر أدمن المخدرات، وكل ما نكلم حد عشان نحدد موعد زي زمان للقاء.. يقول: عايزين نتقابل، لازم "نستكنيس"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.