المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام زكريا Headshot

رسالة إلى آخر العنقود.. "لا تفتحوها"

تم النشر: تم التحديث:

كنت أشمر أحلامي جيداً؛ لأتسكع في معابر الهاربين من الخوف والهلع، لا تهزني أزمات العمر والنفس ومكسبات الطعم حين أتذوقها مجبراً ودون اختيار.

كنت أفكر كيف أبني لكِ صرحاً من الاحتماء، وقوة تهبك الخروج الآمن من مسلَّمات حياة لم يعد الخط المستقيم فيها يصل بين نقطتين.

أحب براءة الضحكة، وقفشة اللحظة، والقطار وتوت توت، واحكي لي حدوتة سندريلا، وأنت وحشتني، واسمي مجرداً من الألقاب، وأحياناً أشتهي الحلوى فأغامر في التقاط بعضها من كفّك الصغير.

لقد سلحت إخوتك بالقوة والصبر والمثابرة، وانحنى ظهري وتحول لون شعري كلون الضوء، فخرجوا للحياة بجزء من تكويني وانكساري، فدهستهم اللحظات وهم يفتحون صدورهم للريح والمدى.

خمسة عشر عاماً هي المسافة بينك في الوقت والزمن والأحداث وبين أصغر إخوتك سناً، كنت وقتها قادراً على بناء مدن الدهشة، لم تكن ملامح وجهي انكمشت، ولا ذبلت أصابعي فارتعشت، كنت لا أزال قادراً على قهر الحياة وغزوها وفض ملامحها المرتبكة.

كبرت يا ابنتي وتجمدت تحت سماء الوطن المسافات، جاء صوتك الدافئ وأنا أعتزل الأماكن، وأسكن وحيداً وبعيداً عن فقرات الساحر والسحرة والمتشائمين والمهرولين في سكون.

الوطن لم يعد ملجأ، تقهرنا الظروف والأحداث والحياة في كل دقيقة، تعزلنا في أودية غير ذي زرع ولا ماء، نعطش ونجوع وتعرينا مناخاتهم الباردة، الموحشة، وننام عرايا من الأحلام والأمان تحت سمائه.

إن كبر عمرك أياماً وتحولت نحوك رياح الحياة بلا هوادة، لا تسقطي ألمك على ذكرى أبوكِ، ولا تهدري طاقتك في استعادة ذكريات الطفولة، حين كنت أضع في كفك حبات السكر.

إن طلت روحك وجسدك على ملامح لم تألفيها للحياة، فاعلمي أنني حاولت أن أتقمص دور المهرج في سيرك الحياة، كي أسقط عنك ملامح خوفك، لو تاهت تحتك أرض وسماء الوطن لا تذبلي فقد كنت يوماً ما وطنك!

ابنتي.. الحياة لم تعد شرفاً للمقهورين، ولم تعد مغنماً للطامحين والمثابرين، لم أخذلك وأختبئ تحت التراب، فقط لم أكن قادراً على الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.