المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام زكريا Headshot

فاكر أول سيجارة شربتها؟!

تم النشر: تم التحديث:

كان في الصف الأول من المرحلة المتوسطة -الإعدادية- عندما قال له المدرس إذا لم تشرب السيجارة سترسب في الامتحان، هذا الطفل الذي تعدى العقد الأول بسنة أو اثنتين وابن شيخ المسجد في قريته، وجد نفسه مضطراً أن يشرب أول سيجارة حتى ينجو من عقاب المدرس بالرسوب، وعقاب أبيه في البيت بعلقة ساخنة قد تصل لحد ربطه في جذع الشجرة الموجودة في حديقة المنزل.

كنا نجلس ونتذكر وكل منا يمسك الشيشة في يده، وسألته وقتها لأنني لاحظت أنه يدخن بشراهة ما بين الشيشة والسيجارة مسافات وقت لا تتعدى الدقائق، متى بدأت التدخين؟ فتذكر المرة الأولى التي تناول فيها سيجارة.

المدهش أن صديقي الذي اقترب من العقد الخامس، كان يتحدث عن زمن نعتبره نموذجاً في الأخلاق والتربية والتعليم، أضف إلى كل هذا أنه ابن قرية، وابن إمام المسجد، بما يعني أن هناك قواعد وأصولاً وعادات وتقاليد شديدة.

واستطرد في التفاصيل بأن هذا المدرس الشاب الذي أصبح صديقاً له فيما بعد رغم فارق السن، بعد أن وصل للسنة الثانية من المرحلة الإعدادية، قال له بالنص: خلاص كده آن الأوان أن تضع علبة السجاير في جيبك، لم يعد ينفع أو يصلح أن تأخذ سيجارة من هنا أو هناك.

وبدأ مشواره مع التدخين حتى وصل إلى مراحل متقدمة ومتفاقمة دفع ثمنها من صحته وتعب قلبه والضغط وغيره، إلا أنه لم يستطع أن يتوقف رغم كل المحاذير.

ليس هذا موضوعي، وحالته هي الهدف مما أكتب، ولكن ما توقفت عنده كيف لمدرس في قرية في زمن ووقت كان يعتبر من أشد مراحل الاهتمام بالتعليم والعادات والتقاليد والتربية أن يكون سبباً في تدمير حياة طالب صغير؟ كيف استطاع أن يسند ظهره في نهاية اليوم وهو مرتاح الضمير بعد أن دمر أجيالاً كاملة؟!
عندما نسمع الآن عن تدخين الطلاب مع المدرسين نندهش ونستنكر، عندما تقترب المسافات ويجلس الطالب وأستاذه على المقهى يتبادلون سوياً التدخين والسجائر والشيشة وغيرها، نقول لقد هدمت قلاع التربية قبل التعليم.

التعليم في مصر لم يعد قضية وزير من عالم موازٍ غير مدرك لمشكلة التعليم في مصر، ولم يعد حشو مناهج لا تسمن ولا تغني من جوع، وهناك حرب دائرة منذ سنوات طويلة على جودة التعليم والحصول على المركز قبل الأخير على مستوى العالم، وتسريب امتحانات، ودروس خصوصيه!!

الحقيقة أن المشكلة أكبر بكثير إذا كان التعليم منذ أكثر من 30 سنة فاقداً للعلاقة بين المدرس والطالب، إذا كان المدرس الذي تربى على الأخلاق والعادات والتقاليد كان يراهن على إفساد أجيال كامله، ربما أكثر ما أحزني في جلسة استعادة الذاكرة عن أول سيجارة شربتها في حياتك، هي انكسار عيون صديقي وهو يتحدث عن ذكرياته وتهديد مدرسه له؛ لكي يملأ صدره بأول دخان فاسد للصحة والأخلاق!!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.