المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام أحمد محمد  Headshot

أبجديات الكتابة وأولويات التدوين

تم النشر: تم التحديث:

نشأت الكتابة بالعربية قديماً شأنها شأن اللغات الأخرى التي انتشرت من كلام الناس؛ حيث تعددت الروايات عن زمن بداية الخط بها ما بين أنها بدأت على يد العرب البائدة، أو أنها نشأت على يد الحميريين وغيرهم من قبائل اليمن والجرهميين الذين تزوج منهم إسماعيل -عليه السلام- فانتقلت اللغة العربية والخط العربي لأولاده عنهم، وقيل إن الأرجح أنها مأخوذة عن الكتابة النبطية قبل الإسلام والأنباط هم قبائل عربية نزحت من الجزيرة العربية، واستقرت في فلسطين وجنوب بلاد الشام.

والمشهور قبل الإسلام أن العرب لم تكن تنقل أخبارها وحكاياتها بالكتابة، وإنما بالحكاية والقصص التي تذيع على ألسنة المتكلمين والشعراء والفصحاء من أهل البادية ويتناقلونها فيما بينهم ويحفظونها حتى تُعرض تلك الحكايات، وتُسرد تلك القصص وتروى تلك الأشعار، ويُكتب ويُعلق أجملها وأفضلها في أسواق الحضر في الحجاز كعكاظ وذي المجنة وذي المجاز، كالمعلقات السبع وغيرها من الأشعار، وليس من شك في أن المعاهدات والمواثيق والرسائل كانت تدون وتوثق، كما كتبت قريش وثيقة مقاطعة المسلمين وحصرهم في شعب بني هاشم، وعلقتها على أحجار الكعبة المشرفة..

كانت معيشة الترحال وطبيعة الحياة البدوية والبيئة الصعبة تفرض على العربي حفظ ما يقوله والاعتزاز بكلامه لدرجة الاحتفاظ بكل تلك الأخبار والأشعار في الصدور، ولم تكن طبيعة الحياة تفرض عليهم تكلّف الكتابة أو تدوين نصوصهم، وما تجود به قرائحهم في شكل الكتابة الخطية إذن، ومع نزول القرآن على العرب وبلغتهم المحفوظة في عقولهم والمنقوشة على جدران الصدور منهم، واتساع الدولة الإسلامية ليدخل في رقعتها الحضر والمدر، وباختلاط العرب بالعجم من غير المتكلمين بالعربية، والحاجة إلى تنظيم الدولة وضبط علوم الحديث وتدوين أخبار الأمة، ونقل سُنة رسولها صلى الله عليه وسلم للبشر، للانتفاع بما فيها من عظمة ومعانٍ إنسانية وأخلاقية وتوجيهات حياتية سياسية واجتماعية ما هي إلا رحمة للبشر أجمعين، وهدى وموعظة ونور للعالمين، نمت الحاجة إلى الكتابة والتدوين إذن، وازدهرت يوماً بعد يوم.

ثم اتسعت رقعة الكتابة بالعربية مع ازدهار علوم اللغة وتشعب فروعها الأدبية، وتعدد أوجهها البيانية والبلاغية، ومع الحضور الجلي والواضح لجهابذة اللغة وعظماء الأدب العربي وفلاسفة الأمة الإسلامية في عصور نهضتها التي هي أزهى عصور الكلام بالعربية، أمثال الخليل بن أحمد وسيبويه وغيرهما، ومن أدبائها وعظمائها الذين أثروا اللغة نقلاً وتبياناً كالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء والشعراء العظام أمثال المتنبي والفلاسفة الكبار كالغزالي (صاحب الإحياء) وابن رشد وغيرهم ممن أضاءوا شعلة النور للغة العربية وآدابها الكلامية للتفرد عن غيرها من اللغات وبوسطيتها في نقل علوم الشرق والغرب وإثراء المعاني الإنسانية.

حديثاً، بلغت الكتابة العربية، وبالخصوص في المجال الأدبي والمتعلق بما يدور حول حياة الإنسان العربي وما تنطوي عليه أسراره النفسية وخصائصه المعيشية وتقلبات الحياة في وجهه مبلغاً عظيماً على يد نخبة من أدباء ومفكري العرب، أمثال الشيخ محمد عبده وعظماء الكلمة أمثال مصطفى صادق الرافعي ومن بعدهم الأساتذة الكبار عباس محمود العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ والشيخ الأديب علي الطنطاوي وغيرهم ممن نقلوا حياة الناس وقدموها في أبهى وأحلى الصور الأدبية من مقالات على أوراق الصحف أو كتب وروايات أثرت المكتبة العربية وسطرت كثيراً من ملامح الفكر العربي الحديث.

سريعاً، نشأ عالم الإنترنت وأصبح الفضاء مفتوحاً للكتابة والتدوين، وفتحت المنتديات ومواقع التواصل صفحاتها للكُتاب، وبالخصوص فئة الشباب من مختلف التوجهات الفكرية والخلفيات الثقافية لمناقشة أخبارهم، وسرد ما حاك في نفوسهم من أسرار إنسانية، ونقل تجاربهم الحياتية وتطلعاتهم المعيشية، وتبقى الأسئلة مفتوحة هنا عن أولويات الكتابة وطبيعة ما نكتب وندوِّن:
ماذا علينا أن نكتب في هذا الفضاء وفي غيره من أفضية الكتابة المفتوحة للبوح والتعبير ومشاركة الخواطر؟ وكيف لنا أن نشغل تلك المساحات بما تثمر به حصائد التجارب وبما تجود به القرائح والنفوس؟

هل على مفكرينا ومدوّنينا وأصحاب الكلمة المكتوبة والمرئية أن يرسموا الصورة البائسة لعالمنا العربي والإسلامي وينقلوا للناس مآسينا التي لا تخفى على بعيد أو قريب، وما تعثرت فيه أحلامنا من صراعات مذهبية وطائفية ونزاعات سياسية طاحنة أودت بحياة الكثير من أبناء هذه الأمة وشردت ويتَّمت كبارها وصغارها دون أدنى تحرك أخلاقي يحفظ ما تبقى من إنسانية وتراحم؟ أم أن علينا الكتابة عن آمال في عالم يملأه السلام وتسود فيه روح المحبة والإخاء بين البشر كما قال الأول "الناس صنفان: أخ لك في الإنسانية، أو نظير لك في الخلق""؟

هل علينا أن ننقل صورة بائسة عن عالم امتلأ تجبراً وطغياناً وظلماً وفساداً أم نستحضر قيم العدل وحفظ الحقوق الماثلة في تاريخنا القديم أيام الإسلام الأولى، وفي خلافة الراشدين وفي خلافة عمر بن عبدالعزيز وغيرهم من عظماء الأمة الذين ملأوا الدنيا عدلاً وإصلاحاً؟

هل علينا أن نبكي على عواصم البلاد التي كانت تشرف وتُشرف بعلمها وعلمائها وقلاعها الثقافية ومناراتها الأدبية والتراثية الخالدة؟ كيف كانت بغداد قديماً؟ وكيف صار حالها وحال أهلها الآن وكأن التتار عادوا من جديد مع غزو الأميركان وما حل بعاصمة بني العباس من بعدها؟ وحلب الشهباء التي لم يقدر الصليبيون قروناً على دخول أسوارها فدمرها أعداء الإنسانية ومرتزقة الطائفية من هنا وهناك في بضع سنين "لله الأمر من قبل ومن بعد"؟ كيف كانت مكانة قاهرة المعز بأزهرها وعلمائها وأخلاق أهلها؟ وماذا حل بها بعد ظهور ذوي الأهواء الدنيئة على شاشات أحداثها واستبدال الكثير من أهلها حب المصلحة الشخصية والأطماع الذاتية بروح التعاون والشهامة التي اشتهر بها أهل مصر؟

ألا نتحسس بأطراف أصابعنا الممتدة على وريقات الكتابة أو لوحاتنا الإلكترونية ونستنهض همم أبناء تلك الحواضر ونستجدي روح الأمل في نفوسهم لعودة بريق النور الذي انبعث دهراً من أرجاء تلك البلاد وفي ساحاتها وقلاعها وفي عيون أبنائها؟

هل علينا أن نشهر سيوف كلماتنا ضد حملات التشويه من متطرفي الغرب الحاقدين جهلاً وحسداً على موروثنا الثقافي والأخلاقي؟ أم من الأفضل أن نسخر جهودنا لإعادة نشر قيمنا الخالدة التي ظهرت حجتها على العالم كله وقت أن كان الظلام الحالك هو السمة الغالبة على حياة الكثير من شعوب البشرية، وبالخصوص هؤلاء في الغرب الذين ما ازدهرت حضاراتهم وما استنارت حياتهم إلا باختلاطهم بعالمنا ونقلهم عنا في حملاتهم الحربية أو عن طريق فتوحاتنا الخالدة في قديم الأزمنة وبعيد السنين؟

هناك الكثير ممن يتأثرون بكلمات مكتوبة هنا وهناك، يتخذ بعضهم كلمات المفكرين أو أطروحات الكتاب صغيرهم وكبيرهم على أنها أفكار تُبنى عليها حياتهم؛ لذلك من الأجدى أن نفتش في جدران الماضي أو أن ننظر من نوافذ الأمل من أجل نعبر من حاضرنا المظلم إلى مستقبل مستنير وحياة أكثر أماناً وسلاماً فيا رفاق الكلمة "بشِّروا ولا تنفِّروا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.