المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هشام أحمد محمد  Headshot

الزمن والتغير الإنساني

تم النشر: تم التحديث:

مضى عام من الزمن وبدأ عام جديد؛ زمن إنما هو شاهد على حياة الإنسان وتقلبات البشرية في الدنيا وتغاير الأحداث التي يصنعها الناس في معيشتهم مع أنفسهم ومع محيطهم، زمن إنما هو مرآة تعكس الدرجة التي تصل إليها النفس البشرية من رقي أو انحطاط، من تقدم أو تأخر، وثبات وتغير على المستويات الأخلاقية والاجتماعية والعلمية والمعرفية، وانعكاس لصورة الإنسان الظاهرة في تعامله مع محيطه الكوني وطريقة تفاعله مع الآخرين المتأرجحة ما بين محبة وتباغض، تآلف وتنافر، أو سلام وعدوانية فيما يمكن اختصاره في كلمتَي الخير والشر.

والإنسان يستخدم الزمن والأعوام لكي يقيم ذاته ويقف على أحداثه ويسترجع ذكرياته بمضي الأوقات، على الصعيد الشخصي كان العام بالنسبة لي عاماً طيباً شعرت فيه أكثر بقيمة الحب في الحياة، شعرت بالكثير من السعادة والرضا والشكر؛ حيث مرَّت بي وبأهلي أفراح ومناسبات سعيدة عوضتنا عن حزن كبير ومصاب عظيم في العام الذي سبقه عندما ابتُلينا بفقد والدنا العزيز رحمه الله، وهنا حكمة من حكم الإله العظيمة المتمثلة في الأخذ والعطاء، وتبدل الأحوال مع تداول الأيام، وفي نهاية العام بدأت أشعر أكثر بأن العمر يمضي مسرعاً ولا يبقى شيء غير الحب والتسامح وروح العطاء، ولا ينفع غير العمل والبذل للنفس وللآخرين.

وعلى صعيد المحيط الإنساني والبشري لم نجد في عام 2016 تغيراً عن سابقيه إلا للأسوأ؛ حيث ما زالت الصراعات والحروب وصور الدمار والخراب هي الغالبة، ويكفي ما حدث في مدينة حلب السورية من قتل وحرق للناس والأطفال وتدمير للحجر والشجر وتخريب للعمران والحضر شاهداً على مأساوية العام وتشابهه، بل وتطوره للأسوأ عن سابقيه، فالذي قبله كان قد انتهى بتفجيرات في باريس ولبنان ودمار في سوريا والعراق أيضاً وقبلها وقبلها ما حدث منذ أعوام عديدة وأزمنة مديدة في فلسطين المحتلة، وفي ربوع العالم من دمار ومأساوية وصراعات على المصالح السياسية والمالية وصراعات طائفية ودينية لا يمل فيها أهل الباطل ودعاة الخراب عن إلحاق الأذى والضرر بأهل الحق ومحبي السلام من بني الإنسانية، وكأن الغزو التتري والصليبي عاد، ولكن بشكل مغاير، تتر وصليبيو الداخل هم الذين يظهرون الآن.. وتلك سنة الله في خلقه يبتلي الناس بالشر والخير، ويختبرهم في تقلبهم فيما بينهم وفي صراعاتهم وفي تأرجحهم بين الخير والشر وبين الحق والباطل "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ".

في الوطن العربي، مع نهاية كل عام وبداية آخر جديد، تتشابه الكواليس والكلمات والطقوس، يدور الجدل أولاً بين شيوخ الدين وبعض تابعيهم من العامة من جانب والليبراليين أو العلمانيين وبعض المتأثرين بهم من عامة الناس من جانب آخر، حول مدى شرعية الاحتفال والتهنئة بالعام الجديد، وتتحدث وسائل الإعلام الرسمية عن إنجازات الملوك والحكام، وتختلق النجاحات لمن لا نرى منهم إلا السلبية والتهاون في حقوق الشعوب والتلاعب بمصائرنا، إلا مَن رحم الله! ثم يبدأ العام الجديد بالأمنيات المتجددة والآمال الواعدة في تغيير لما هو أفضل ينعكس على حياة الناس وعلى الصورة التي يظهر انعكاسها في مرآة الزمن.

التاريخ دائماً ما يسجل المواقف الإنسانية التي تؤثر في حياة البشر، سواء أثرت بالإيجاب أو بالسلب، فيمجد الأولى، ويُعلي من شأن أصحابها، ويُحقر الثانية ويهون صورة أصحابها السيئة.. تاريخنا مملوء بالمصلحين العظماء، من حكام وقادة وعلماء، الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عمر بن عبد العزيز، صلاح الدين، محمد الفاتح، عمر المختار، وعلماء ومفكري الأمة الإسلامية والعربية ممن كان لهم النفع والأثر الإيجابي في كافة المجالات، هؤلاء شهد الزمن على مجدهم، وكانوا هم صانعي الحدث على مر التاريخ، هم ومَن يسير على دربهم حتى عصرنا هذا، نفعوا أنفسهم ونفعوا الناس، أما أهل السوء على النقيض فليسوا أهلاً لأن نذكرهم في مقامنا هذا، ونحن في بداية عام جديد نتفاءل فيه بأن تزول غاشية الظلم والفساد، وأن نتحرر من براثن الطغيان، وتنقشع عنا ظلمات الجهل والتخلف الحضاري والأخلاقي الذي وصلنا إليه، ولولا تلك الأخلاق التي بُعث بها محمد ليتمم مكارمها، ما كان لنا النجاح ولا التقدم الذي وصلنا إليه في سابق الأزمان.

حكامنا مسؤولون أمام الله وأمامنا، والزمن سيسألهم عن الذي فعلوه من أجل الحفاظ على حقوقنا في العيش الآمِن ومن أجل أن يحققوا لنا مستوى العدالة والأمان المرجو لكي نعيش حياة إنسانية كريمة، ومن أجل النهضة بما تبقى من مقدرات الأمة للوصول لمستوى علمي وحضاري راقٍ يواكب العالم الذي كان في السابق يتعلم من حضارتنا، ويأخذ عنها لكي ينهض ويتقدم، وسيحاسبون أمام الله وأمام التاريخ والزمن عن كل إثم ارتكبوه في حق حرياتنا وحياتنا الآدمية الضائعة.

وما تبقى من علمائنا ومفكرينا مسؤولون عن مستوى الأخلاق والفكر الذي وصلنا إليه، وعن الإرث العلمي والحضاري الذي ضيَّعوه في ظل لهثهم خلف الحكام وخلف الأفكار الخارجة عن ثقافاتنا وموروثنا الاجتماعي والأخلاقي.

نحن كأفراد مسؤولون مسؤولية لا تقل عن هؤلاء وهؤلاء في خلق حياة جديدة تعكس مرآة الزمن صورة مشرقة لها، حياة عامرة بالإيمان بكل ما هو حسن وجميل، وهجر كل ما هو غير صالح لنا ولمجتمعاتنا، حياة مفعمة بعمل يكسر الملل، وبأمل متجدد يبعث على التفاؤل ويقوم على حسن الظن بالله، وبالقدر وبالحب والتمسك بكل معاني الحياة النبيلة المتمثلة في التسامح وتجديد الروح، ومخالقة الناس بالخلق الحسن، والتركيز على النجاح الذاتي، مع محاولة نفع الآخرين وتجنب ضررهم.

كل فرد متسامح يتسامح معه الآخرون، كل فرد محب يحبه الآخرون، كل فرد يقتدي بعظماء الناس ويصنع مثلهم يقتدي به الناس، ويمجدون صنيعه، ويذكره التاريخ بالخير، وما كان العظماء السابق ذكرهم إلا أفراداً في جماعات من الناس علت همتهم، وتمسكوا بأحسن الأخلاق، وسلكوا أنبل الدروب وأقومها؛ لكي يصنعوا ربيع الزمن لهم ولمحيطهم، فلنكن مثلهم فيما نستطيع، لكي نصل إلى أفضل ما نستطيع.

بمرور الزمن وبتغير الأحداث تبقى النفس البشرية هي العامل الأهم في تلك الأحداث، وهي العامل الذي يغيرها ويصنع صورة الزمن "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ".

أعجبني قول أحدهم إن فتاة جعلت خطة عام لها قراءة مائة كتاب، وتمكنت من ذلك في نهاية العام، بالطبع سيعود بالنفع عليها وعلى مَن حولها، فليجعل كل منا لعامه هدفاً عظيماً يسمو إليه في نهايته، إنه شيء لذاته وشيء مع الناس، عامي معكم عام الحب والابتسامة.. أحبكم كثيراً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.