المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هند صلاح مخلوف Headshot

ولكنكم تستعجلون

تم النشر: تم التحديث:

أفاق الفتى من غيبوبته فوجد نفسه مُلقى في دكانه مُثخناً بجراحه تسيل منه الدماء من كل جانب، حاول أن يتماسك، يتحامل على نفسه تُعَانِده كل عضلة في أنحاء جسده وتُدَوّى عظامه بصراخ قاتل، لكنه ظل يحاول حتى أوقف نفسه مستنداً على الحاىٔط، لم يدر وقتها أجسده ما يحاول أن يحمله أم هو الذي يحاول أن يَحُث جسده ويعينه على بضع خطوات تصل به إلى باب بيته، لكن الأكيد هو عقله الذي ظل رافضاً صراخ جسده ويستنكره، وكأنها آلام شخصٍ آخر، كاد يجن من فرط التفكير وهو الفتى الجريء ذو الأصل الطيب، كيف لمن مثله أن يحتمل كل ذلك العذاب، في البداية يُسبى ويباع عبداً في مكة هو من وُلِد على الحرية وألفها، ثم الآن تنهال عليه الضربات بالأيدي والأرجل حتى المطارق وقطع الحديد التي صاحبته في دكانه يشكلها ويصنع منها السيوف لم يسلم ضرباتها ولسعات كيِّها الحارقة، وكأنها حُميت مرتين: مرة بأيدى جلاديه، ومرة أسفاً على صاحبها، لم يستطِع عقله أن يستوعب أن كل ما حدث له بسبب أن اختار حرية تفكيره معتقدة وروحه، فلم يكفهم عبودية الجسد والمكان، لكن أرادوا له أيضاً عبودية النفس، والعقل هو الذي رغم حداثة سنّه عُرف بينهم بعقل الكلمة وحكمة الشيوخ، وذلك تحديداً ما شجع سيدته في السابق على أن تستأجر دكاناً تستثمر فيه مهارته في صنع السيوف فكان عليه الكد والتعب، ولها ما يكسب من قوت يومه، خاصة أنه شُهر بتلك المهارة في مكة فكان الخلق يقبلون على دكانه من كل مكان لحسن خُلقه وحكمة عقله وجودة صناعته.

وصل خبابٌ إلى بيته يشغله ما طرأ من أمرٍ جديد في تلك البقعة المباركة من أرض الله، صار يُضَمّد جراحه، بينما عقله يستعيد ما حدث في يومه، فأثناء تواجده في دكانه كعادته عاكفاً على سيوفه ترامى إلى سمعه نبأ شيخ من خيرة بني هاشم يُحدِّث بأمر جديد، فغلبه الفضول وذهب مُتلَمِّساً الأخبار، فلما جلس إليه وسمع ممن اعتاد صدقه وأمانته عرف بصفاء قلبه الذي لم يغلب عليه صدأ الكفر أنه الحق، وقال محدثاً نفسه: والله إنه لنور، فما كان منه إلا أن وقف بين يدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم متمتماً بالشهادتين، ثم ذهب مشدوهاً بما عرف من الحق، ولم يعرف لنفسه حال: أهو في عالم الواقع أم في عالم الخيال؟ وظل هكذا حتى بلغ باب دكانه، فوجد من ينتظره من زباىٔنه الذين اعتادوه ملازماً لبيته وعمله لا يفارق أيهما، فسألوه عجِلين إن كان أتم صنع سيوفهم؟ فأجابهم وهو غاىٔب بقلبه وعقله عن عالمهم:
إن أمره لعجب..
- فنظروا إليه متشككين: أي أمر يا خباب، نسألك عن سيوفنا؟!
فيجيبهم بنظرات حالمة: هل رأيتموه؟ هل سمعتهم كلامه؟!
فيسألوه بنفاد صبر وقد عرفوا عن أي أمر يتحدث:
من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أم أنمار؟
فيجيبهم بثبات على الحق الذي لمسه وقد علم خبثهم ومحاولتهم استدراجه:
ومن سواه في قومك مَن يخرج النور بين شفتيه ويتفجر الحق من جوانبه.

وكانت تلك آخر كلماته التي لم يذكر ما حدث بعدها إلا أنه أفاق من غيبوبته تنهشه آلام الجسد والفكر، فكان خباب بن الأرت سادس ستة أسلموا على وجه البسيطة، وأجرأ من أعلنها صريحة بين قومه وعلى شدة إيمانه لاقى من العذاب والمساومة ما لا يحتمله أحد من بيننا في هذا العصر، حتى يعود إلى الكفر فهل نازعته نفسه يوماً أن يرجع عن إيمانه اتقاء لشر معذبيه؟ هل دعا لنفسه بالموت كي يخلُص من عذابه؟ أبداً والله كان إيمانه راسخاً وكان يرفض أن يتلفظ لسانه بدعاء لا يرضى الله عنه، وإن كان بموتٍ للخلاص، لكنه وكشخص فيه ما نحمل من صفات البشرية وطاقتها للتحمل ذهب يوماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاكياً يسأله بما له من كرامة عند ربه أن يدعو له ولمن مثله من المستضعفين أن يُعجل بالفرج، وأن يستنصر لهم، فما كان من النبي الكريم إلا أن أعطاه درساً لم ينسَه، فبدلاً أن يرفع يده داعياً بانقشاع الغمة وهو مستجاب الدعاء حدّثه عن رجال من قبلهم كان يُحفر للرجل منهم في الأرض فيوضع فيها ثم يُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشَق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ثم أتاه بالبشرى (والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).

أراد أن يعلمه أن الله قادر أن ينصر دينه عاجلاً غير آجل، لكن ماذا يفيد الرجل إن لم يُختبر في إيمانه وصدق عزمه وتمسكه برسالته، أراد أن يعلمه لولا الابتلاء ما صدق القلب وما صَدَّق، ولولا صدق العزم ما عظمت الغاية ولانشغلت النفس بسفاسف الأمور لا تقدر الصبر على عظاىٔمها، وأن الدعاء لا يُفَعَّل بغير عمل وصبر مهما كان لدفع البلاء من صدق المبررات ألف.

أراد صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم بل يعلمنا أن نتأسى بسير من قبلنا من الأنبياء والصالحين، وأنهم لم يكونوا أبداً ملاىٔكة تمشي على الأرض لكنهم بشريون تحملوا من الأذى ما تحملوا حباً وقناعةً ورسوخ إيمان ومبادىٔ، أراد أن يزكي نفوسنا ويرتقي بأرواحنا فنزداد ثباتاً ونتحلى بصبر جميل إيماناً واحتساباً لا سخطاً وشكوى، ونَحِنُّ إلى ما هو أعظم شأناً من هذه الدنيا، فإن كان من قبلنا من الأنبياء والأتباع والصالحين نالهم ما نالهم من الإيذاء والاعتداء فمن نحن منهم كي لا نبتلى في ديننا ولا يُختبر ثباتنا.

ولم يخفَ عليه صلى الله عليه وسلم أن يبث فيهم الأمل والبشرى بقدوم الفرج بعد أن تنفد كل الأسباب الممكنة والأخذ بها فلا صبر ولا تعب دون مكافأة.

فهل نتعلم ونتعظ فنصبر رضا ويتملكنا اليقين أن كل كلام الله صدق، فلا نشكك به بجزعنا وتهاوننا عملاً ودعاء وتصديقاً، فلا نأخذ التواكل منهجاً ولا نستعجل الثمرات ونقعد محسورين ونظن أنه سيأتينا الفرج واليقين.

تُوفِّي سيدنا خباب -رضي الله عنه- بالكوفة سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة في عهد سيدنا علي بن أبي طالب، ويحكى أنه في عصر الخلفاء أبي بكر وعمر وعلي -رضي الله عنهم وأرضاهم- كان يُصرف له حصة من المال عُدَّ بها من الأغنياء، فكان يضعها في صندوق في موضع من بيته يعلمه الناس لا يمنع عنه أحداً، ومع ذلك ظل متخوفاً من أن يُحاسب عليه.. رضي الله عنه وأرضاه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.