المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هند عامر Headshot

لماذا نخشى أن نكون قرآنيين؟!

تم النشر: تم التحديث:

كنا أطفالاً بإحدى دُور الحفظ التي تشبه الكتاتيب؛ وكان كل فترة معينة ترسل إدارة الدار شيخاً لنا بالداخل -نحن الأطفال والنساء- ليختبرونا ويقيموا مستوى الدار عامة ويبحثوا عن المتميزين منا.

دخل شيخ عجوز طاعن بالسن، وجهه مضيء، لحيته بيضاء طويلة، أحنى الزمن ظهره، وذهب ببعض بصره؛ حينما جلسنا حوله -وكنا أطفالاً- وسألني سؤالاً بسورة المائدة؛ فأجبته ولكنني أخطأت بتشكيل حرف واحد فصححه لي، وصحح لبقية زملائي كل خطأ سواء صغيراً كان أم كبيراً. كان معروفاً والكل يهابه، وكان يضحك معنا نحن الأطفال ويتذكرنا إذا جاء مرة ثانية، ويتذكر أسماء المُحفظات. كان القرآن سلساً عذباً يجري كالماء على لسانه وهو ذو التسعين عاماً!

كل المسلمين يؤمنون بأن القرآن كلام الله، وأنه نُزّل على عبده محمد -صلي الله عليه وسلم- وأمره الله بتبليغه لأهله ثم قومه ثم هو للعالمين نذيراً؛ أي أنه لغير المسلمين أيضاً أُرسل، وهناك أمثلة كثيرة جداً لغير المسلمين، ما إن يقع نظر أحدهم على القرآن ويقرأه سواء كان نداً له أو محاولاً تفهمه؛ فهو يخرج منه مطمئن القلب مسلم الوجه لله رب العالمين.

والقرآن بحره واسعٌ لا ينفد {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْر قَبْل أَنْ تَنْفَد كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (الكهف: 109)، به علومٌ كثيرة، وتأملات عديدة، وقَصصٌ يسيرة، وبلاغةٌ أعجزت قوم العرب عن الإتيان ولو بآية مثله، وأيضاً عن ابن مسعود: (إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم..)، فهل وجدتم شيخاً قد ملَّ القرآن وتدريسه؟! وهل كل مرة تقرأون فيها آيهً تكون بنفس وقعها في المرة الأخرى؟! بالتأكيد لا.

لا أريد بهذا المقال البسيط تسليط الضوء على بركة القرآن أو شفاعته أو حفظه للإنسان أو الإعجاز العلمي واللغوي أو حتى النفسي، ولا أريد أيضاً سرد العديد من القصص الواقعية التي كان القرآن فيها سبباً في إسلام أشخاص من حالة شرك تامة لإسلام وإحسان تامَّيْنِ، وتفهّم عقلي وقلبي سريعين لكل آي من آياته؛ بل أريد طرح سؤال واحد وهو؛ إذا كنا مؤمنين حقاً بالقرآن فلمَ نخشي إشراكه بحياتنا العملية، لمَ نضعه جانباً ونقول هو فقط لتغذية أرواحنا وحفظنا من السوء، نتلوه إذا ما فقدنا الأحبة؛ حتى أننا لا نتلوه بأنفسنا فغالباً ما لا نستطيع ذلك -نهجره ولا نتذكره؛ وإذا ما تذكرناه فنحن على الأرجح غيرَ ملمين بتفاسيره أو معانيه.

القرآن يحملُ كل صغيرة وكبيرة بالحياة؛ صالح للماضي والحاضر والمستقبل؛ يحبكُ إذا أحببته ويهبك معاني الحياة إذا ما عزمت على فهمها؛ تحدث في كل شىء؛ بدءاً من القضايا الكبيرة، من التوحيد والربوبية والإيمان بالرسل أجمعين والموت والحساب والنشر والبعث، إلى القضايا اليومية من العلاقات الأسرية والعبادات القلبية والروحية والعمل والتربية وما تشمل من عقاب وثواب، وعلاقتك بالآخرين، وحتى علاقتك بنفسك كيف تؤدبها وتكافئها وتشد من أزرها إذا ما استكانت إلى الكسل أو الغل والحسد وغيرها من أمراض النفس.

نعم، نحن نخشى أن نكون قرآنيين؛ فننسى ما أخبر به القرآن إذا ما ضاقت أرزاقنا؛ فنضعف ونهلع ونجزع، ونشرك عباداً أمثالنا في أرزاقنا -ونحن لا ندري- فنستجديهم ونتملقهم خوفاً من قطع الرزق ولا ندري أنه بيد خالقه!

نخشى أن نكون قرآنيين؛ عندما يصيب القلق أغلب أوقاتنا، فلا نتوكل ونترك الأمور بمن يده مقاليدها، ونظل نبحث عن الدنيا يميناً ويساراً ونتنافس مع أقراننا إذا ما باعوا أو اشتروا أو فضُلوا عنا، والقرآن كرر كثيراً أن الدنيا لهو ولعب والخير في الآخرة وأن بعضنا فُضل على بعض درجات!

نهلع ولا نصبر إذا ما ابتلينا في أموالنا أو أولادنا أو أنفسنا؛ وهو معروف وأخبر به من قبل أنكم ستبلون في كل ذلك؛ وبين لنا خطوات التعامل مع الابتلاءات من الصبر الدعاء وأن العسر لا بد أن ينزل معه يسر، وأن كلنا مردنا إلى الله.

نخشى أن نكون قرآنيين؛ ويدخل الربا بمعاملاتنا بالمال، ونبخس حقوق الغير، ولا نتقن العمل، ولا حتى نجتهد بغية الوصول، وقد علمنا أنه لا ينبئك مثل خبير ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولا نقرأ برغم أننا أمة "اقرأ"، وأن معجزة أمة محمد، هي العلم، هي القرآن!

يغلق أغلبنا بابه على نفسه، لا يريد مزيداً من المعاملات مع غيره من البشر؛ فيكفيه قلةٌ تُيسر أمور حياته الهامة، يشعر أن الأفضل أن يكون فرداً لا أمة، إذا ما رأى سلباً لم يقطعه بالإيجاب، يقنع نفسه بأنه لا يجب أن يكون له دور في حياة غيره؛ فيكفيه نفسه؛ وقد نسي أن أمتنا شرُفت بأعظم مهمة وهي الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأننا جسدٌ واحدٌ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وغيرها وغيرها من الأمور الكثيرة؛ التي ثثقل صدرنا عندما نعلم أنها الحق، وأن الحقَ أحقُ أن يتبع، أو نعرفها ونتجاهلها عمداً، أو نرى أن القرآن له إطار معين لا يجب أن يخرج عنه!

حاشا لله -عز وجل- أن ينزل ختام الكتب من غير نفع لنا، حاشاه سبحانه أن ينزّل القرآن لنقرأه -دون تدبر- ما قاله وأخبرنا به بذات جلاله. لم نُخبر قط بأن القرآن يقرأ بمناسبات معينة؛ بل إن هجره يلازمه العقاب، لم نخبر أن القرآن لملء الجانب الروحي منا ولتصفية الذهن فقط؛ بل إن كل آياته دمج للحياة وتفاصليها. وبرغم من أنه يجب أن نؤمن به -أي ننفذ ما جاء به لأننا أيقناه- إلا أن كل أمر جئت به وكل نهي ابتعدت عنه؛ تُكافأ عليه!

والمكافأة العامة الكبرى؛ هي أن ترزق به شفاعة يوم الحساب، وترتفع به درجات للجنة بحق كل آية تلوتها، وإثقال لميزانك بحسنات لا تعد ولا تحصى، ويُلبس الأبناء آباءهم تيجان الكرامة إذا ما أتموا حفظه، وتُرزق بركة وسعة في الرزق وإحساناً وحباً من الله وخَلقْه.

فخصص وقتاً ولو يسيراً من يومك له، اجعله كمقابلة مهمة تهيئ نفسك فيها، واسمع واقرأ ما جاءك يخبرك به، وابتكر في معاملتك معه وجدد من الأنشطة ما يستحقه كتابنا المنزّل، واحفظ آياته واجعلها على لسانك في كل وقت وأخبر بها الغير ولا تخجل.

وإذا ما كان لديك أطفال؛ فاغمسهم بالقرآن، واجعل هدفك تحفيظه لهم، حتى وإن لم يفهموه -فلاحقاً سيفهمونه- فذاكرتهم قادرة على استيعابه كاملاً في وقت قصير إذا خَطط لذلك؛ غير أنهم سيتخلقون بخلق القرآن ويُسعدون دنيا ودينا.

{إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} (الإسراء: 9).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.