المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله حسين Headshot

ثقافة المقاومة.. أمل الأمة نحو بعث جديد "1"

تم النشر: تم التحديث:

فئة ضعيفة، محاصرة، خصومها بقوتهم وسلاحهم يحيطونها من كل جانب، لا يأمن أحدهم على المضي قدماً لخطوات، يحيطهم البرد والظلام، قائدهم بينهم في محاولة أخيرة لتأمين أنفسهم، كل أملهم أن يصنعوا عملاً يقيهم غدر عدوهم.. ووسط كل هذا يهتف بهم ببُشرى فتح أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض!!

أي روح هذه؟ أي يقين؟ أي أمل؟
أي روح مقاومة تتملك هذا القلب ويبثها وسط أتباعه؟!

استدعى كل أفكاره ليقاوم بجماعته الضعيفة التي أنهكتها ظروف الحصار، ولا يبالي أن يقدم على خطوة مختلفة لم تكن معروفة في حروب العرب قبلها، أن يحفر خندقاً في ظروف بالغة القسوة، ما زال مع جنوده يحدثهم عن آمالهم عند فتح كسرى وقيصر والدموع تنهمر من برودة الطقس وصعوبة الحفر ولا أحد يملك اليقين في أن الحدث قد يمر، إلا أن الآمال لا تنقطع رغم الظروف القاسية، ما دمتَ تقف على قدميك.

ربما كان يقيناً لم يعرفه كثير من الرجال حينها، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يتجاهل كارثية الواقع ويخدع الجميع بأمل زائف لا يملك استراتيجية تحقيقه، لم تكن دعوات لمقاومة يائسة لا يرى قائدها أبعد من محل قدميه، ولم تكن الجماعة المسلمة لتستسلم لإحاطة قريش بها وإغارتها على المدينة لاستئصال شوكتهم.. حقق المعادلة.

أمل قائم على يقين بالله، بالقضية، بالجنود، وبالرؤية والجهد والعمل، برأي أهل الخبرة، وإصرار على عدم الاستسلام، كان رسول الله معه وعد إلهي، وهل المطلوب أن نتجاهل كارثية الواقع ونخدع الجميع بأمل زائف لا نمتلك سُبله؟! وهل ندعو لمقاومة يائسة لا نملك قوامها؟! إننا كمن يرمي بنفسه في النار!

تساؤلات وتعليقات تتردد

إنك لا تستطيع أن تفصل ثقافة المقاومة عن اليقين في جدواها، ما دمتَ تملك عُدتك وعتادك من الثقة بقدرة الله على كل شيء، وفهم عميق بقدرة الأفراد في مجموعهم على صناعة المستقبل وعدم الاستسلام لقسوة الواقع، فأنت تستطيع أن تغيّر المعادلة، تستطيع ألا يجبرك أحدهم على الاستسلام، تستطيع أن تبقى، بل وتصنع الواقع.

ليس مع الإيمان يأس، ولا يشارك اليقين عجز، فوعد الله حق، والاجتهاد في الأخذ بأسبابه مهمة الأشداء من الرجال، وتلك عدة أصحاب الهمم وقادة الأمم "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".

إن مهمة القادة تأتي في إدراك أبعاد الغاية وحجم المخاطرة وعدم الانفصال عن الواقع أو المبالغة في قدرات وحجم الجنود، تأتي في الأخذ بيد الجموع ذات الهمم والعزائم سائرة بهم في طريق مستقيم نحو غاية محددة ورؤية واضحة تصل للهدف أو الأهداف.

مقاومة الشعوب وعدم رضاها بالظلم لا تأتي فقط باستنفار الهمم وإيقاظ القلوب والنفوس والبذل والمحاولة، ولكن تأتي بشخصيات فارقة تستطيع استشراف واستقراء المستقبل، وإدراك حجم ما يحاك بالأمة، شخصيات تمثل الريادة والقيادة، تمثل الطليعة الرائدة التي تتقدم الصفوف، وبذلك يكون الأمل واليقين ركنَي القوة لدى الطليعة المؤمنة بالتغيير، مهما قست الظروف وعاندت المعطيات، وسط تجبر الظلم والاستبداد وقوة العدو.

ويبقى وجود القائد الذي يملك الرؤية، والأفراد الذين يدركون يقين زكريا في قدرة ربه مهما خلت الأسباب "فهب لي من لدنك ولياً"... يملكون الإصرار على الاستمرار والمحاولة مهما تعثرت المسيرة وتأخَّر النصر، هناك لديهم هدف واحد يمكن رؤيته عن بُعد، يمكن السير إليه في خطوات راسخة وأرواح تحلق بهمتها في السماء، تتعلق بربها، وتدرك يقيناً أنه هو القادر والموفق.
تنادي في الجماهير أن انتصروا "فالمحبطون لا ينتصرون".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.