المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله حسين Headshot

مذاق السعادة وانتصار القادة

تم النشر: تم التحديث:

جاءتني تحكي موقفاً مرت به في طفولتها فأثارت بعقلي عشرات الأفكار والتساؤلات.

قالت: تركنا والدي أنا وإخوتي يوماً مع أحد الأصدقاء، وأراد هذا الصديق أن يكرمنا - هكذا نظنه أراد- أخذنا وأولاده الذين كانوا في نفس أعمارنا تقريباً إلى إحدى مدن الملاهي بألعابها العالية الكبيرة، وكانت وقتها إحدى الغرائب بالنسبة لنا، أخذ "عمو" يتنقل بنا في أرجاء المكان يرينا الألعاب، وهي ممتلئة بالأطفال والكبار، يتنقل بنا نرى السعادة ونسمع ضحكات وصيحات الفرح حولنا فنزداد اشتياقاً لنجرب ونفرح مثلهم، وكلما مررنا بواحدة وانتقلنا لغيرها، كنت أقول لنفسي: يمكن عمو سيذهب بنا لواحدة أفضل أو تركناها لأنها زحمة.. حتى فوجئت بنا ننهي الجولة وصوت عمو يبلغنا بأننا "يا دوب نروح!"، ولم نركب أي لعبة!

تكمل صديقتي روايتها: كانت صدمة بالنسبة لي ولإخوتي الأصغر لم نستوعبها، وفي الطريق وفي حوار مع أبناء عمو معنا فهمنا إن ده عادي، عمو بيروح بهم كل فترة "يتفرجوا" على الألعاب ويمشوا ودي بالنسبة لهم الفسحة!

كانت تحكي وتضحك لموقف قديم لا تنساه لطرافته، أما أنا فاستوقفني الموقف، كم مرة في حياتنا حدث معنا مثل هذا الموقف؟ كم مرة يذهب بنا أحدهم -أو فكرة أو جهة أو أحداث- لمساحة نرى فيها طموحاً أردناه أو حلماً يراودنا، أو معنى نفتقده؛ لنرى بدايات جماله ومتعتها، نبدأ في تخيل السعادة التي نرجوها، ثم فجأة نجدنا في واقع مختلف نفقد فيه ما لمسنا جماله، ما شعرنا برائحة زهوره، ما ذقنا حلاوة طعمه للحظات، فجأة نفيق على الواقع ونجد لا شيء، سراباً لم ننَل منه إلا متعة الخيال، أو ربما ألم الحرمان بعد المعرفة.

ذقنا لفترة وجيزة معنى الحرية والعزة.. ثم فقدناها.

ذقنا طعم الأمل وبعضنا فقده، ذقنا وذقنا الكثير ثم فجأة..
سألت نفسي لِمَ يحدث هذا؟ هل كان وهماً وعشناه بإرادتنا وكان خطؤنا أن صدقنا الأوهام؟ هل كانت نعمة لم نحسن الحفاظ عليها فسحبها الله منا؟ هل كان الله في كل موقف يرينا ويعرفنا بجمال نعمته لنبذل مزيداً من الجهد للحفاظ عليها والعمل على الحصول على أفضل منها لأنفسنا ولغيرنا، ونحن لم نبذل الجهد الكافي لنحصل على ما نريد وأردنا مكسباً سهلاً وسريعاً؟ هل هو أصلا ليس خيراً ولا رزقاً لنا بل شر أراد الله أن يبدلنا به الخير، ولكننا نستعجل ولا نعرف؟

أسئلة كثيرة واحتمالات مختلفة، ربما لكل موقف حال، ولكل حدث وجه، لكن الأكيد أنه دوماً وما دمنا في هذه الدنيا فنحن المكلفون، ونحن المحاسبون عما نفعل لا عما يُفعل بنا، نحن أصحاب القرار والفعل ولسنا مفعولاً بنا.

الأكيد أنه بقدر ألم صديقتي مما شعرت به يومها بعد أن رأت سعادتها التي كانت تظن ولم تلمسها، بقدر حرصها على الحصول على هذه السعادة وبذلها الجهد لتصل إليها -وإن اكتشفت حين حصلت عليها زيفها أو أنها لم تكن بروعة خيالها- أو حتى وإن حصلت عليها ووصلت لقمة السعادة التي كانت تتمناها، فتظل قمة السعادة هي سعادتها بالنجاح بعد الجهد.

الأكيد أننا بقدر رغباتنا وأحلامنا لا بد أن نعمل ونبذل ونجتهد ولا نكتفي بالأحلام والبكاء على فقدانها، لا بد أن نعتقد يقيناً أن أي حلم أو سعادة أو حرية أو نجاح هو نتاج جهدنا -بعد توفيق الله- ولكن توفيق الله لا يأتي للحالمين القاعدين.. يأتي بحسن الأخذ بالأسباب -مع كامل التوكل واليقين بكرم الله أضعاف عملنا- لكن التوكل غير التواكل، وكرم الله يكون لمن بدأ وخطا خطوات لا لمن قعد وتمنى وشكا سوء حظه.

الأكيد أننا مع كل ألم نتعلم.. مع كل وجع، نشتد صلابة.. مع كل انكسار، لا بد أن نكون أكثر قوة ونصلب عودنا لنقوم.. الأكيد أنه من رحم المعاناة يولد الانتصار.

انتصار النفس والروح والعقل، انتصار لا يعرفه إلا الأقوياء.. إلا القادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.