المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله حسين Headshot

ثقافة المقاومة.. البحث عن قائد "2"

تم النشر: تم التحديث:

ليس مع الإيمان يأس، ولا يشارك اليقين عجز، فوعد الله حق، والاجتهاد في الأخذ بأسبابه مهمة الأشداء من الرجال، وتلك عدة أصحاب الهمم وقادة الأمم "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".

ومع هذا الإيمان، وبذات اليقين ولم ننتصر!

ما زلنا مستهدفين بأجندات ومشاريع دولية ذات طابع توسعي في المنطقة، وعجزت الأنظمة عن الممانعة والمنعة، سواء في الاقتصاد والسياسة أو المقاومة، فأين الأشداء من الرجال وأصحاب الهمم؟
أين هؤلاء القادة الذين يتقدمون الصفوف، يشحذون الهمم، يملكون البوصلة والرؤية؟ هؤلاء الذين ذكرتهم في مقالك وهم جوهر الأزمة.

هكذا بادرني السائل معلقاً على مقالي الأول عن المقاومة وصناعة الأمل، وكيف يرتبطان بالأساس بوجود القائد أو القادة.
وعدت لأسترجع كل التساؤلات والنقاشات الدائرة لأراها تقف عند ذات السؤال: أين القائد؟ ومتى يأتي؟

يبحث الجميع عن هؤلاء القادة وكأنهم هؤلاء الخارقون الهابطون من السماء يحملون لنا الحلول السحرية والقوة الخفية، فننتصر ونخرج من ضعفنا وجولة هزيمتنا أمام أعداء الأمة.

عن هؤلاء الذين يصنعون الفارق، يدركون الغاية وأبعاد قضيتهم، ويجيدون استنهاض همم جنودهم وقراءة واقع قدراتهم غير منفصلين عن الواقع، وفي ذات الوقت مستشرفين المستقبل، آخذين بأيدي من وراءهم إليه بفهم ورؤية واضحة وتخطيط دقيق؛ ليصلوا لغايتهم بقوة ونجاح.

ولكن المؤكد أن هؤلاء الذين يبحث عنهم الجميع لا يأتون من السماء، لا يستحدثون من العدم، ولا يستجلبون من خارج مجتمعهم وواقعه وظروفه.

إن هؤلاء القادة هم جزء أصيل من تلك الطليعة الرائدة، من هذه الطليعة الذين تحدثنا عنها علوم الاجتماع فتصفهم "بالرواد"، هؤلاء الذين بعقولهم وأفكارهم وجهودهم وتضحياتهم وبذلهم من أجل ما يقتنعون به من أفكار يحولونها لعمل بناء، هؤلاء الذين لا تقوم نهضة الأمم إلا بهم، ولا تتصدر فكرة إلا على أيديهم، ولا تتجدد حياة الشعوب إلا بإرادتهم وثباتهم.

من هذه الطليعة الرائدة ذات الإرادة الماضية القوية بدون ضعف، والتبني بوفاء للفكرة دون تبدل، الطليعة ذات التضحيات العالية المتجردة دون مقابل، هذه الطليعة التي تؤمن بمبدأ فتلتزمه ليحفظها في طريقها من الانحراف عن هدفها وغايتها، من هذه الطليعة الرائدة ينبع القادة وتبزغ أنوار قدراتهم ونبوغهم.

إن وجود هذه الطليعة الرائدة بنفسياتها القوية وعزيمتها العالية مستكملة تكوينها ببناء فكري واضح يحمل في جوهره منبع المقاومة وثقافتها القائم على مواجهة الباطل، والسعي لكسره وهدم إمبراطوريته، ورد عدوانه عن الأمة، وإعادة بناء المجتمع القوي الصالح، بتدافع مستمر ضمن جولات من كر وفر، وجود هذه الطليعة هو المحضن والمنبع الرئيسي لهؤلاء القادة الذين ننتظر.

هنا يأتي دور صناعة تلك الحاضنة الحقيقية للمقاومة التي تبدأ من الكلمة والصرخة وتتقدم إلى ثورة تطالب بالحقوق والحريات والكرامة، الحاضنة بثقافة المقاومة التي تحتاج إلى بناء في نفوس الجماهير حتى تستطيع أن تنجب الطليعة والنخبة الحقيقية القادرة على قيادة الأمة.

إن وجود هذه الطليعة هو الضامن المؤكد لخروج القائد أو القادة الذين تحتاجهم الأمة لقيادتها وتصدر جموع أفرادها، هؤلاء الذين يستطيعون قراءة الواقع واستشراف المستقبل والنظر لمآلاته، فيبنون على ذلك رؤيتهم الواعية العميقة الدقيقة، فتجمع بين الواقعية والطموح، وبين تحفيز الهمم واستنهاض النفوس متلازماً مع وضع الخطط وبناء المؤسسات ورفع الكفاءات وبناء القوة التي تحقق للفكرة والغاية منعة ورسوخاً على الأرض، تلك القوة التي تتعدى ذلك المعنى المادي الضيق إلى قوة المعرفة والعلم وغيرها من ركائز القوة في عالمنا المتشابك.

يبقى التحدي في استكشاف وصناعة هذه الطليعة الناضجة التي تستطيع إدارة معركة الوعي، وتملك القدرة على خوض معركة الوعي مع المجتمع، وتشتبك معه في تنقية أفكاره، وشحذ همته؛ ليكون كل منهم مشروع قائد بذاته.

إن إنتاج شخصيات فارقة تجيد فن الأداء في المساحات المشتركة بين التيارات وقيادة المستقبل هو التحدي القادم أمام أصحاب الفكر وقادة التغيير، عندها لن نحتاج للكثير من الجهد؛ لنرى هؤلاء القادة ونلمس قدراتهم ونستشعر نبوغهم، فسنرى هذا بوضوح في رايات ترفع لتسترشد بها الجموع وتلتف حولها فتعيد صناعة التغيير وكتابة التاريخ وصناعة الفارق.

عن صفات هؤلاء وعن قدرتهم على إدارة وقيادة الطليعة سوف يكون موضوع مقالنا القادم إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.