المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الله حسين Headshot

على باب اللجنة

تم النشر: تم التحديث:

أمام لجنة امتحان الثانوية العامة.. مشهد عجيب، عشرات الطلبة ما بين ضحك وتوتر وقلق، أمهات وآباء مجتمعون كذلك بمشاعر وهيئات متضاربة،
قلق ظاهر، هدوء من يسعى ليطمئن ابنته، من يراجع معها معلومة، من تدير حواراً مع أم بجانبها وكأنها تتبادل معها معاناة العام الطويل وضغط الدروس وتوتر الأبناء.. وجوه مختلفة، ومشاعر متنوعة، والمشترك تقريباً هو القلق والتوتر.

الحقيقة توقفت أمام المشهد دقائق مستغربة، ما الذي يجعل القلوب والعقول تتعلق بهذا الشكل بمجرد لقطة في الحياة؟
ورقة ودقائق قليلة أصبحت المتحكم في مستقبل شباب وبنات!
ما الذي حوّل مجرد تقليد تعليمي يفترض أن يكون تقييماً وحافزاً إلى الانتقال لمرحلة مختلفة للحياة، يتحول هذا التقييم إلى سيف على الرقاب، إلى كم ضغط نفسي وذهني بل وجسدي للطالب وأهله لمدة عام كامل "يفكر بعض الفشلة في جعلها أكثر من سنة"!

ما الذي يجعل الناس تتعلق بهذا الشكل وترهن حياتها ومستقبلها بمجرد ورقة، أو تقييم يتحكم فيه ضغط وتوتر نفسي أو مزاج لأشخاص؛ ليفقده واقعياً عدالة ودقة بل ونزاهة التعبير عن الإمكانات والقدرات؟!

ما الذي يجعل الكل يقف حياته أياماً وشهوراً ومصالح وأموال تصرف وضغوط نفسية.. كل هذا حتى يحصلوا على ورقة تحدد مسار حياة، بينما هذا المسار قد لا يصل بصاحبه إلى شيء فعلي.. راحة أو سعادة أو نجاح!

لماذا لا يتحفز الجميع بنفس القدر أو حتى جزء منه لبذل وقت ومجهود وأموال وتركيز.. إلخ للوصول إلى مسار يصل للجنة ورضا الله؟

لماذا لا ينشغل الآباء بنفس القدر والحرص على درجات أبنائهم عند الخالق، وشهادة النجاة إلى الجنة، كما يقفون منشغلين ساعات أمام أبواب المدارس وقبلها بين طرقات المراكز التعليمية لضمان تحصيل أولادهم؟!

لماذا اختلت منظومة الأولويات في المجتمع "حتى مدعي الالتزام منه"، فأصبح نجاح ودرجات الابن أو البنت -ولو بشراء امتحان مسرب أو توفير وسيلة غش أو الاستحواذ على ملازم مادة ومنعها عن زملاء- أصبح هذا النجاح هو الغاية والهدف، وإن فقد الابن قيمه أو تنازل عن أخلاقه، المجتمع كله كده!

لماذا نترك رحمة الله الذي يعطينا الفرصة تلو الأخرى للعودة والتوبة بل والعمل واكتساب الأجر والحسنات، ولا يكون التقييم النهائي على لقطة واحدة أو نتاج موقف وساعات وفعلنا فيها مهما طالت، نترك ونستهتر بكل هذا لننشغل -بشكل مرضي هستيري- بتقييم ضاغط يتحكم فيه عقل أشخاص ويقيم لحظات محددة أياً كان وضع صاحبها وظروفه وتركيزه... لحظتها يصبح هذا التقييم الجائر غاية وهدفاً واستنزافاً!

للأسف كثيراً ما نحتاج لوقفة كهذه التي وقفتها أمام لجنة الامتحان لنعيد ترتيب حياتنا ومفاهيمها وأولوياتها، نحتاج أن نفكر فيما يشغلنا ويهمنا ويحملنا ضغوطاً نفسية وعصبية، ونصل في النهاية إلى أنها لم تكن تستحق، وأن الحياة فيها الأهم ما يجب أن ننشغل به ونبذل فيه.

نحتاج أن نقيم علاقاتنا بالأشخاص والأفكار والأشياء، بالاحتياجات والرغبات، لنحدد ما يستحق ومن يستحق إعطاؤه من حياتنا وأعصابنا ووقتنا.. حقاً نحتاج لتغيير المنظومة، وببساطة يجب أن نتساءل: وماذا بعد الثانوية العامة؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.