المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة سهيل كريزم Headshot

قاتلوا الناس بالورد

تم النشر: تم التحديث:

لم تكن تلك الجلسة التصويرية فخمة الملامح، مزينة بأحدث ديكورات الأثاث والآلات الموسيقية، بل كانت جلسة تصويرية بسيطة جمعت بين الجمال والتاريخ الثوري الفلسطيني، محمود أبو سلامة "مصور حر" من سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة، أحضر 30 باقة ورد ملونة بألوان الحياة، وكتب عليها: "قاتلوا الناس بالورد"، في إعداد جلسة تصوير شعبية بين أزقة الشوارع الضيقة وتوجيه رسالة سلام؛ حيث أهداها إلى بعض اللاجئين الفلسطينيين من كبار السن والأطفال الذين يقطنون فى المخيم.

هذه المبادرة لم تكن الوحيدة، بل لدى محمود العديد من الأفكار الإبداعية لجلسات التصوير للصغار والكبار، فحلم الإبداع والشهرة لم يفارق أبو سلامة منذ قراره امتهان التصوير الفوتوغرافي.

محمود الذي كان شاهداً على مأساة مخيم جباليا وقت الأزمات والحروب المستمرة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بشكل دائم، فهو البوابة الرئيسية الشمالية لقطاع غزة، وأيضاً هو أكبر المخيمات من حيث الكثافة السكانية، لم يدخر جهداً لينشر الحب والسلام بين أزقة المخيم، وأن ينشر الابتسامة والسعادة الجميلة على وجوه كبار وصغار المخيم.

الفكرة وجدت طريقها في المخيم وأصبحت سفيرة الفرح على عابريها؛ ليعلق أبو سلامة: "الناس كانوا مبسوطين وكنت بتمنى يكون معايا فلوس أكثر لشراء كمية أكبر من الورود".

تسابقت الطفلات الصغيرات للحصول على وردة تزين بها شعرها أو تشمها، لتقول لمحمود: "عمو صورني أنا والوردة، وخلي الصورة تطلع حلوة"؛ ليرد محمود ويقول لها: "اضحكي للصورة لحتى صورتك تطلع أحلى وأحلى من الوردة"؛ لترد ضحكات الطفلات على مسامع محمود وتتسرب إلى داخله، وتجد طريقها إلى قلبه المفعم بالحياة والأمل.

فيما لم تتوانَ الطفلات الصغيرات منهن عن أن ترسم لنفسها وضعية للتصوير وأخذ الكادر المناسب لها.

فمنذ القدم أظهرت الشعوب اهتماماً ملحوظاً في زراعة الورد والعناية به، وقد حاول الإنسان تغيير صفاته؛ كتغيير رائحته، كما عمل من خلال تطعيم الورد على زيادة أنواعه.

الورد في اللغة نور الشجر، والزهرة لكلّ نبات، وهو عبارة عن نوعٍ تابع للفصيلة الوردية، وهو مجموعة من الوريقات التي ترتبط معاً بشكل جميل، وتقع أعلى غصن من الشوك.

أطلق أبو سلامة هاشتاغ "#قاتلوا_الناس_بالورد" تعبيراً منه على إصراره على عيش الحياة بسلام وأمن، بدلاً من العدوان المتكرر والألم الذي يعانيه يومياً مثل الكثير من أفراد الشعب الفلسطيني.

"الورد رسالة سلام وحب" هذا ما قاله محمود للأطفال في مخيم جباليا، فكانت الدهشة تعلو وجه كل من رأى محمود وتصور بالورد الذي وزعه عليهم.

وعلى مر الزمان استُخدم الورد للإهداء كتعبير عن الحب، والإعجاب، والتقدير، والاحترام.
ورد له أنواع لا تحصى، وهو ورد مضمخ بالعبير والروائح الجميلة التي تستصعب الاختيار بينها لو عرضت عليك.

أبو سلامة رغم أنه يعمل مصوراً حراً ووضعه المادي بسيط بالكاد يستطيع تأمين بعض متطلبات حياته اليومية لأسرته، فإنه لم يدخر جهداً لتنفيذ تلك المبادرة والتكفّل بكافة المصاريف من جهده الخاص.

كما استُخدم كعلاج؛ فقد استخدمه العديد من الأطباء منذ زمن في صنع الدواء، ومن الورد أيضاً يُصنع ماء الورد.

"كفاية عنف وحروب ودمار.. نحن نستحق الحياة" تلك الرسالة التي أراد أبو سلامة توجيهها للعالم أجمع، بينما تجاوب معه اللاجئون حاملو باقات الورود بابتساماتهم الهادئة، في ظل مرور المخيم وتنظيم احتجاجات التي تندد بسوء الأوضاع الاقتصادية.

فمن يهديك ورداً فأنت شخص عزيز على قلبه ولا يمكنه التفريط بك مهما حدث، فلغة الورد لغة عالمية سامية تصل لقلوب أصحابها في أنحاء العالم بلا استئذان لتنشر عبيرها في حياتك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.