المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة سمير العبسي Headshot

ألا تزال بخير؟

تم النشر: تم التحديث:

لم تأتِ ليلة أمس بالجديد، هي نفسها الأهوال، نفسه القاتل ونفسه المقتول، نفسها الأسباب والأساليب، والنتيجة دائماً واحدة ألا وهي الموت، وحده الاسم والجسد مَن يتغير، تغيير يعتبر سطحياً وغير مهم، ففي ظل تزاحم الأرواح على قطار الموت، تَضيع هيبة الاسم ويتحول الإنسان إلى مجرد رقم ينتظر موعد إضافته إلى لائحة الموتى.
ولكن أتعلم ماذا حدث ليلة أمس يا وطني؟

أتعلم ماذا حلَّ بأُم غسان؟ كم أحبتك تلك العجوز! أتذكر ثوبها المطرز بألوان الصِّبا؟ أمضت الشهور تحيكه كي ترتديه فرحاً بتحريرك، علقته وجلست على حجر الباب متكئة على عصاها تنتظر، تارة تنظر إلى الثوب فتبتسم تيمناً، وتارة تنظر إلى حالك فتتنهد وتبكيك وتارة تسرق غفوة عابرة فتراها مترنحة على عصاها، تأبى الرقود وترجو الصحو.

آه يا وطني، لقد قالوا لي إنها وُجدت على ذات حالها ميتة ليلة أمس، لقد أعياها الانتظار، وبقي ثوبها المعلق في انتظارك، أما تحررت بعد؟

أتذكر منير؟ لقد أحبَبته حتى اخترته أفضل شبابك فاختارك أفضل أوطانه، قلت لي إن لكل امرئ من اسمه نصيباً، وإن منير هو منارتك المستقبلية، الذي لم ولن يخذلك يوماً، ثم ما لبثت أن بدأت الحرب فحاصره رصاص العدو من كل حدب وصوب، علموا أن قتله كفيل بقتلك، ولكنهم لم يظفروا به، ثم دعوه ليكمل تعليمه لديهم، أغروه بالمسميات وأغووه بالألقاب، ولكنه أبى إلا أن يمتد نوره فيك وإليك.

لقد علمت أن صاروخاً غدر به وأصاب بيته فأرداه ضريحاً ليلة أمس، ولكنك لم تجبني أما تحررت بعد؟

لست بحاجة لتذكيرك بالطفلة عبير، التي لم تعِ يوماً ما كنتَ تمر به يا وطني من ويلات، ولكنها تطوقت شوقاً للقائك، تحملت شهوراً من الجوع داخل رحم أمها المتآكل، لم تعلم يوماً أنها كانت تنمو داخل ما يسمى ببقايا جسد، بقايا عظام مكسوة ببقايا جلد، مستندة على بقايا وطن، كانت في شهرها الخامس عندما أرعبها دوي قنابل فتكت بحيهم المجاور، لم تستطِع التماسك وقررت الخروج إلى الحياة، ولكن ما لبثت أن وجدت أنها خرجت إلى الموت.
توفيت هي أيضا ليلة أمس يا وطني.

يقولون أيضا إن أبا مهند صانع المجوهرات، قد لاقى حتفه بينما كان يصوغ من الذهب ما استطاع تذكره من تفاصيل خريطتك، وأبو علاء الخباز، الذي لم يخبز منذ شهرين بسبب غلاء القمح، توفي وهو يأكل خبزاً صنعه من ترابك كي يقيم أوده، وأم كمال المقعدة، لم تستطِع الفرار من قنبلة انفجرت بجوارها، فلاقت حتفها، وعدي، ذلك الفتى العنيد، أصابه قناص وهو يحاول أن يرفع عَلَمك رغماً عن أنفهم، كُسر صحن الحمص الذي أمضى أبو علي النحات 10 أيام وهو ينحت صورتك عليه، تمزقت شهادة ميلاد طفلة اسمها وطن، تلك الطفلة التي لم تعرف عنك سوى اسمك أيها الوطن، فجّروا مئذنة مسجد الشيخ عبد الله بينما هو يناجي الله من أجلك.

كل هذا حدث يا وطني ليلة أمس فقط، فما بالك بما أحدثته السنين!

ضاعت المعالم، تشوهت التفاصيل، اختلطت رائحة الدم بعبق الياسمين ورماد القنابل، انصهر الحق في بركان الظلم، وضاع الماضي في دهاليز الحاضر، ولم يبقَ منك يا وطني سوى ذكراك وبقايا جسدك.
ولكن قل لي: ألا تزال بخير يا وطني؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.