المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبه مصطفى الصغير Headshot

العرق الشركسي

تم النشر: تم التحديث:

أتذكر وأنا أقول لصديقتي حينما تنتابها الأنفة فتصرُّ على رأيها، وتُكشِّر عن أنيابها: "هو العرق الشركسي طلع؟!".

كنت أظن أن الشراكسة هم الأتراك، وبما أن الأتراك قد حكموا مصر فترة من الزمان وظنوا أنهم أفضل من المصريين، فقد خمنت أنهم يستعملون هذه الجملة للتدليل على الأنفة والتعالي.

لم أهتم بالبحث في الموضوع، حتى قابلت في الأردن شاباً حسن الوجه، لطيف المعشر، شككت أنه ليس عربياً، فسألته عن الجنسية فقال: أردني، وعندما أصررت أن ملامحه ليست عربية فقال: أنا شركسي.

************

في فبراير من العام 2014، أقام عدد من الشراكسة تظاهرات واسعة في مختلف البلدان، احتجاجاً على إقامة روسيا للأولمبياد الشتوية في مدينة "سوتشي".

"سوتشي" هي آخر عاصمة للشراكسة، حيث هُزموا من الروس في العام 1864 بعد حربٍ دامت لأكثر من 100 عام، حارب فيها الشراكسة ببسالة وصمود. إلا أن أعداد الروس كانت تفوق أعدادهم، وبهذا فقد أعلن الروس فوزهم وسيطرتهم على المنطقة في الحادي والعشرين من مايو/أيار 1864.

الحادي والعشرون من مايو/أيار 1864 ليس مجرد تاريخ بالنسبة للشراكسة، وإنما جرح لم تستطع السنون الطوال أن تُغلقه. إن ذلك التاريخ يذكرهم بالمذابح التي ارتكبها الروس بحقهم بعد هزيمتهم في الحرب. أما من تبقى منهم فقد فرضت عليهم الهجرة إلى الدولة العثمانية، أو واحدة من ولاياتها الضعيفة كالأردن وسوريا آنذاك، في سفن متهالكة أودت بحياة معظمهم.

الشراكسة هم من أقدم الشعوب على وجه الأرض. سكنوا شمال القوقاز، وعلى الساحل الشمالي الشرقي للبحر الميت، وينقسمون إلى مجموعتين هما "الأديغة" و"الكبردينو".

الشراكسة شعب محارب له ثقافة ثرية، يتمتع بلغته الخاصة، موسيقاه، رقصاته، زيه الجميل، ويدين معظم الشراكسة بالإسلام.

بعد مجازر الإمبراطورية الروسية في حق الشراكسة، اضطر الشراكسة إلى الهجرة، حيث تفرَّقوا في عدة أماكن حول العالم منها فلسطين، الأردن، سوريا، مصر، تركيا، والقليل منهم رحل إلى أوروبا.

كان على الشراكسة أن يتأقلموا مع طبيعة البلدان العربية الصحراوية، التي تختلف كثيراً عن بلاد القوقاز ذات الطبيعة الساحرة، والخضرة التي تعم الأرجاء.

غير أنه -وطبقاً لشراكسة الأردن- فقد تمكن الشراكسة من التعايش مع العرب، حيث أسهم عنصر الدين الواحد وهو الإسلام في زرع بذرة التقارب بينهم.

يعتز الشراكسة كثيراً بتاريخهم، ولعل هذا ما جعلهم مرتبطين في أذهان المصريين بالأنفة. يحاول الشراكسة الحفاظ على تراثهم بتكوين فرق مسرحية تقوم بعرض رقصاتهم المبهجة، وموسيقاهم التي يحتل فيها الأكورديون العامل الرئيس، وزيهم المميز. كما أقاموا أكثر من عرض بدار الأوبرا المصرية.

إذن الشراكسة ليسوا هم الأتراك كما كنت أظن ويظن معظم أصدقائي، ولم تعد الشركسية التي تصنعها أمي هي ما أعرفه عن كلمة "شركس". سأحاول في المرة القادمة التي أسمع فيها لفظة لا أعلم مصدرها، أو أكلة لا أعلم أصولها أن أبحث في الموضوع، فربما كانت في طياتها قصة كبيرة.

المصادر:

- "أولمبياد سوتشي يعيد للأذهان إبادة الروس لمسلميها"، العربية.نت، 7 فبراير 2014.

-Circassian People. Encyclopedia Britannica. 8 july 2014.

-Kadir I.Natho. "Memoirs". P.718.

- فيلم "أن تكون أديغا"، إنتاج الجزيرة وثائقية، 2011.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.