المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

هبة الوعري Headshot

ستُزهر شقائق النعمان من جديد فأهلاً 2017

تم النشر: تم التحديث:

"آلامنا بقدر أحلامنا"، اخترت هذه الكلمات لكي أبدأ بها مقالي؛ لكون آلامنا تأتي بقدر ما نحلم به؛ بل أحياناً أكثر، فقد أصبحت حياتنا سيمفونية من الحزن ممزوجة بالأمل، لا ندري ما الذي يحمله لنا عام 2017 في جعبته، سواء كان موشحاً بالبسمات أو الدمعات.

وها نحن ودعنا 2016 ودموع القدس ما زالت تزخّ ألماً، ووجع الأقصى لم يندمل، وقصص التراجيديا التي يعج بها قطاع غزة، المفتوحة جراحها، لن تُطوى مع طي صفحات هذا العام، فالظلمة التي يعيشها الغزيون بلا كهرباء تنير حياتهم لم تُحل بعد! وحرقة قلوب الأمهات المغلّفة بالصبر في الضفة الغربية على رحيل فلذات أكبادهن يومياً لن يذوب لهيبها، وآهات وويلات اللاجئين السوريين ورحلات الألم والموت التي تعتصر
قلوبهم وحياتهم كل يوم أصبحت بحجم هذه المجرة.. وبكل أسف، ودماء أهالي حلب التي تسيل على أرضها الطاهرة كل يوم وصرخات الأطفال لم تخترق بعد الآذان الصماء!

لن تستطيع أكثر تعبيرات اللغة العربية بلاغةً وصف ما عبّرت به عيون أم محمد عندما رأيتها واقفة شاردة الذهن بجانب قبر جميع أفراد عائلتها الذين استُشهدوا في الحرب الأولى التي شنتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة.

وبعد أن وضعت أم محمد باقة من الزهور على قبر زوجها وأولادها الأربعة، حدثتني عن طريق عيونها فقط، ربما صعبت الكلمات على لسانها من شدة ألمها وفاجعتها باستشهاد كل حلمها، فقد كانت تقضي أم محمد في مثل هذه الأيام من كل عام أجمل أيام العمر خلال إعدادها المأكولات الطيبة ببيتها الصغير؛ للاحتفال بقدوم كل عام جديد مع زوجها وأولادها!

لو تحدثتُ أكثر عن الآلام في مقالي، فلن يحتمل قلمي الكتابة أكثر؛ بل سيتوقف عن التعبير وسيجف الحبر؛ لأن دموعي هي حبر قلمي التي أدمتني. ولكن مع تساقط زخات المطر، أدعو الله تعالى أن تحمل سنة 2017م الأحلام والآمال أكثر من الآلام، ولنزرع جميعاً فيها الصبر لنحصد الورد والأمل بإذن الله.

2016، عام رحل وحمل معه للعام الجديد كل ما يؤلم شعبنا الفلسطيني؛ الانتفاضة الباسلة التي احتلت الحدث الأبرز والأعظم خلال العام الماضي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتساقط الشباب يومياً وهم في عمر الورد، واختلاط بكاء وزغاريد الأمهات في وداع فلذات أكبادهن، وسفك الدماء وتشييع الشهداء... كل هذه المشاهد عادت من جديد لتتصدر الساحة الفلسطينية بامتياز.

غزة.. ما زالت تتلمس طريقها المظلم بلا كهرباء، تضج داخلياً وتحلم بيوم كامل تتوافر فيه هذه النعمة البديهية في القرن الحادي والعشرين.. تساقط الأحلام والآمال والأمنيات على بوابات معبر رفح، فإن إغلاقه شهوراً متواصلة جعل غزة تئنّ وتتلوى من شدة غليانها، فقد أصبح معضلة لا وصف لها، لكن دون حلول واقعية من أي جهة.

اعتقال الأطفال القصّر بات موضوعاً بارزاً على الساحة، فإن الاعتقالات المتكررة يومياً في الضفة الغربية والقدس الشريف من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وتعرّضهم لأبشع أنواع التعذيب والضرب التي قد يواجهها من هم دون الثامنة عشرة، كل هذا يستدعي وقفة لمنظمات حقوق الإنسان الدولية؛ لمجابهة هذا الكسر الصارخ لحقوق الطفل، فضلاً عن سلب أرضه وحقه في الحياة.

غزة ما زال موظفوها الذين يديرون قطاعها الحكومي بلا كلل غير معترَف بهم، لا رواتب ولا مستقبل واضح لكل جهودهم وتفانيهم وإخلاصهم في عملهم.

الخريجون الذين تعتصر قلوبهم الإحباطات والصدمات بعد تخرجهم في الجامعة، وانقراض فرص العمل، وصفّ شهاداتهم على الرف.

كما نستذكر الحروب الثلاث المؤلمة والمدمرة على قطاع غزة، ونستذكر البيوت المهدمة والبرد القارس على أهالي الخيام، حقاً كان الله في عونهم.. تفاقم أزمة اللاجئين السوريين وهجرتهم عبر قوارب الموت بحثاً عن الحياة، مشاهد الموت والدمار والدماء في حلب الشهباء.

فجميع ما ذكرته سيبقى شريط ذاكرة حياً وقاسياً يدور في أذهان الجميع كل وقت، وخاصة مع بداية كل عام جديد، وسنبقى مستبشرين أن يكون أفضل من سابقه.

لقد لفت انتباهي، عبر إحدى شاشات التلفزة، تقرير حول معنويات فئة الشباب بغزة بعد انتهاء عام 2016، لعل المضحك من كلام أحد الشباب عندما سأله المذيع: "ماذا حققت في عام 2016 من إنجازات؟"، فأجاب الشاب بسخرية: "أنا سأهدي نفسي ألف وردة؛ لشدة احتمالي عام 2016م والصبر الذي تذوقته والإحباط الشديد الذي لازمني طيلة هذا العام".

حقاً، كلامه يبين مدى يأسه؛ فهو شاب في مقتبل العمر تخرّج ولم تُتَح له فرصة عمل بعد. من جانب آخر، عبر معظم الشباب في التقرير عن أمنيتهم للعام الجديد بزيارة المسجد الأقصى والقدس المحتلة والضفة الغربية، وتمنى البعض فتح معبر رفح باستمرار. كما عرض التقرير صورة كاريكاتير لطفل صغير يسأل جده الختيار الذي يرتدي الحطة والعقال قائلاً: "جدي، ما أمنيتك لعام 2017؟"، أجاب الجد: "أمنيتي هيا نفسها التي تمنيتها لسنة 1949 وكل سنة جديدة بتمناها يا ولدي، وهيا أرجع لبلادي وأرضي".

رغم الألم، سأُعاكس كلام كل المحبطين، وسأقول: كما طوينا صفحة 2016 سنطوي في عام 2017 ذل الاحتلال والحصار وذل الانقسام، وفتح معبر رفح، وسنحلم بكهرباء متواصلة تنير درب المكلومين بإذن الله تعالى، ومهما كثرت الإحباطات فالحياة مليئة بالمفاجآت وستُزهر شقائق النعمان من جديد.

في النهاية، أدعو الله أن يكتب لنا في العام الجديد التوفيق والرضا، وأن يحل فيه الأمن والسلام، وأن نحقق فيه كل الأمنيات.

وسأختم مقالي بكلمات الشاعر الراحل محمود درويش: "ونحن لن نحلم بأكثر من حياة كالحياة"!
#وداعاً_2016

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.